وزيرة الرعاية تكتب : في ذكرى الفاجعة الكبرى

بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في السودان، لم تعد معاناة النساء تُقاس فقط بما فقدنه من منازل أو مصادر رزق، بل بما تراكم في داخلهن من جروح غير مرئية جروح النفس والذاكرة والخوف المستمر. في خضم واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، تقف المرأة السودانية شاهدة على الألم، لكنها أيضًا حاملة لقصة استثنائية من الصمود والقدرة على الاستمرار.
الحرب لا تترك أثرها فقط على الجسد، بل تمتد عميقًا إلى الصحة النفسية، حيث تواجه النساء مستويات غير مسبوقة من القلق، الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة. كثيرات عشن تجارب قاسية، من فقدان الأحبة إلى التعرض المباشر للعنف، بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. هذه التجارب لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر في شكل كوابيس، خوف دائم، وانعدام الشعور بالأمان حتى في اكثر الأماكن التي يفترض أن تكون ملاذًا.
بالنسبة للنساء النازحات، تتضاعف هذه المعاناة. فالحياة في ظروف النزوح تعني انعدام الخصوصية، ضعف الحماية، وضغوطًا يومية لتأمين الاحتياجات الأساسية. ومع ذلك، تتحمل النساء عبء رعاية الأسر، وحماية الأطفال، وإيجاد سبل للبقاء، في ظل غياب شبه كامل للدعم النفسي المتخصص في كثير من المناطق. هذه المسؤوليات الثقيلة، مقرونة بالتجارب الصادمة، تؤدي إلى تآكل تدريجي للصحة النفسية، مما ينعكس أيضًا على الصحة الجسدية.
فالآثار طويلة المدى للحرب على صحة النساء لا تقتصر على الجانب النفسي فقط، بل تشمل مضاعفات صحية خطيرة. النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي يواجهن مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة، ومضاعفات في الصحة الإنجابية، فضلًا عن وصمة اجتماعية تزيد من عزلهن وتمنعهن من طلب المساعدة. كذلك، يؤدي الضغط النفسي المستمر إلى ضعف المناعة، وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، وهي آثار غالبًا ما تُهمل في سياقات الطوارئ.
ورغم هذا الواقع القاسي، لا يمكن اختزال قصة النساء في السودان في الألم فقط. فهناك جانب آخر أكثر قوة وإلهامًا هو جانب المقاومة اليومية، والقدرة على إعادة بناء الحياة من تحت الركام. في دور الايواء ، في المجتمعات المضيفة، حتى في قلب المناطق المتأثرة بالنزاع، تنهض النساء بدور ريادي في قيادة المبادرات المجتمعية؛ فينشئن مساحات آمنة، ويحيكن شبكات للدعم النفسي والاجتماعي. وغالبًا ما تبدأ هذه الجهود كاستجابات عفوية متفرقة، سرعان ما تتبلور إلى عمل منظم ومستدام، يستمد قوته من تراكم الخبرة وحسٍّ فطري بالقدرة على بناء الإيقاع والاستمرارية وهو ما يميز النساء في ميلهن إلى تحويل المبادرة إلى نظام، والعفوية إلى أثر ممتد.
لقد لعبت التدخلات الوطنية والإنسانية دورًا مهمًا، رغم التحديات الهائلة. إنشاء المساحات الآمنة للنساء والفتيات، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، ساعد في توفير حد أدنى من التعافي. كما ساهم تدريب الكوادر الصحية ومقدمي الخدمات في تحسين الاستجابة، خاصة في التعامل مع حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي. ومع ذلك، تبقى الحاجة ملحّة لتوسيع نطاق هذه الخدمات، وضمان وصولها إلى المناطق الأكثر تضررًا.
ويتجه العمل حاليًا نحو اعتماد نماذج للخدمات المتكاملة، تُقدَّم بصورة شاملة تراعي احتياجات النساء دون تجزئة، مع السعي الحثيث إلى تقليل الوصمة المرتبطة بها من خلال اعتماد تسميات حيادية وغير موصِمة، تتيح لجميع النساء الوصول إليها بكرامة وأمان. وفي هذا الإطار، تظل العدالة ركنًا محوريًا لا غنى عنه، حاضرةً في صميم الاستجابة، بما يضمن الإنصاف والمساءلة ويعزز مسارات التعافي أحد أهم الدروس المستفادة خلال هذه السنوات هو أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة إنسانية ملحة. دعم النساء نفسيًا يعني دعم قدرتهن على رعاية أسرهن، والمساهمة في تعافي مجتمعاتهن. لذلك، يجب أن تكون خدمات الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من أي استجابة إنسانية أو خطة إعادة إعمار، وليس مجرد مكون ثانوي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية النهج الشامل الذي يربط بين الصحة النفسية، الحماية، والعدالة. فالنساء لا يحتجن فقط إلى الدعم، بل إلى الاعتراف بما تعرضن له، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. العدالة، حتى وإن تأخرت، تشكل جزءًا من عملية التعافي.
ومع اقتراب السودان من مراحل مفصلية في مسار التعافي، تظل النساء في قلب هذا التحول. ليس فقط كضحايا، بل كقائدات، وصانعات سلام، وحاملات للأمل. قوتهن لا تكمن في تحمّل الألم فقط، بل في قدرتهن على تحويله إلى طاقة للحياة، وعلى إعادة نسج الروابط الاجتماعية التي مزقتها الحرب.
في النهاية، فإن قصة النساء في السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب هي قصة إنسانية عميقة قصة وجع، نعم، لكنها أيضًا قصة كرامة لا تنكسر. وبينما يستمر التحدي، تظل إرادة النساء في الحياة أقوى من الحرب نفسها، وتبقى أصواتهن، رغم كل شيء، دليلًا على أن الشفاء ممكن، وأن المستقبل يمكن أن يُبنى من جديد.
في ذكرى الفاجعة الكبرى
14ابريل2026
وزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، د. سليمى إسحق
عبر : “الجزيرة نت”



