منى ابوزيد تكتب : مربعات مفقودة..!

هناك فرق..

“إذا وصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر”.. علي بن أبي طالب..!

 

إذا رفعت رأسك إلى سقف تتجاور فيه عشرات المربعات المكتملة، وكان بينها مربع واحد مكشوف، فإن عينيك سوف تتجهان إليه تلقائياً. لأنك لن تنشغل بما اكتمل، بل بما نقص. فالنقص الذي يجاور الاكتمال يملك قدرة غريبة على خطف الانتباه، وقدرة أغرب على ابتلاع كل ما عداه..!

 

حين ننظر إلى نجاحات الآخرين، كثيراً ما نرى ذلك المربع المفقود قبل أن نرى السقف كله. نرى العيب قبل الفضيلة، والثغرة قبل البناء، وما لم يكتمل قبل كل ما اكتمل. وربما لهذا السبب يخسر الناس كثيراً من العدالة، لأنهم لا يزنون الإنسان بما يملكه، بل بما ينقصه..!

 

ثم أن الإنسان لا يظلم الآخرين وحدهم، بل يظلم نفسه بالطريقة نفسها. فهو قد يملك في حياته عشرات المربعات المكتملة علماً، وخلقاً، وصدقاً، ونجاحاً، ووفاءً، وخبرةً، وحناناً، وأثراً طيباً في حياة من عرفوه. ومع ذلك يصر على الوقوف أمام مربع واحد يراه ناقصاً، فيتوهم أن هذا النقص قد ألغى كل شيء. وكأن السقف كله لم يعد سوى ذلك الفراغ الصغير..!

 

كم من إنسان عاش معتذراًعن نفسه، ليس لأنه فقير في المزايا، بل لأنه قد منح عيباً واحداً سلطةً لم يمنحها لكل فضائله مجتمعة. والأغرب من ذلك أن معظم الناس يتواطؤون أحياناً مع هذا الوهم. لكن من يبحث عن الكمال لن يجد إنساناً، ومن يفتش في الأسقف عن المربع المفقود، سيجده دائماً. لأن الله لم يخلق بشراً بلا نقص، وإنما خلق بشرً يكتملون ببعضهم البعض..!

 

ليست الحكمة أن ننكر وجود العيب، فالعيب جزء من الطبيعة الإنسانية، الحكمة أن نعرف حجمه الحقيقي. فلا نرفعه حتى يصبح وطناً نسكنه، ولا نصغره حتى نتجاهله. أن يبقى مربعاَ، لا أن يتحول إلى سقف بأكمله..!

 

أحياناً لا يخسر الإنسان أجمل ما يمكن أن يمنحه له القدر لأنه لم يكن يستحقه، ولا لأنه لم يكن قادراً على الوصول إليه، بل لأنه ظل يحدق طويلاً في مربعه المفقود، حتى عجز عن رؤية كل المربعات التي كانت مكتملة أمامه. فالنقص لم يكن يوماً هو المشكلة، بل العين التي لا ترى أن ترى سواه!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى