سراج الدين مصطفى يكتب : عادل إمام .. لحظة الارتجال التاريخية 

نقر الأصابع .. 

عندما كانت شرائط الكاسيت الخاصة بالنكات تملأ الأسواق وتجد رواجا واسعا كان عمرها الفني قصيرا فالمستمع يضحك في المرة الأولى وربما الثانية ثم يفقد الشريط قدرته على الإدهاش لأن المفاجأة تكون قد استهلكت بالكامل لكن هناك استثناءات نادرة استطاعت أن تهزم هذه القاعدة وأن تبقى محتفظة ببريقها مهما تكرر عرضها ومن أبرز تلك الاستثناءات المشهد الارتجالي الشهير للفنان عادل إمام في مسرحية الواد سيد الشغال ذلك المشهد الذي تجاوز حدود النص وأصبح في ذاكرة الجمهور أهم من كثير من تفاصيل المسرحية نفسها

تكمن فرادة هذا المشهد في أنه لم يولد من تخطيط مسبق أو كتابة دقيقة بل خرج من رحم لحظة إنسانية خالصة عندما فقد الفنان عمر الحريري السيطرة على ضحكاته وعجز عن استكمال جمله الحوارية هنا ظهر المعدن الحقيقي لعادل إمام الذي لم يتعامل مع الموقف بوصفه أزمة مسرحية بل حوله إلى فرصة استثنائية لصناعة الكوميديا فالتقط اللحظة بسرعة مذهلة وبدأ في نسج ارتجالات متدفقة حافظت على إيقاع العرض ومنحت الجمهور متعة مضاعفة لأنه لم يكن يشاهد تمثيلا محفوظا بل يعيش حدثا يتشكل أمامه في التو واللحظة

هذا النوع من الارتجال يكشف عن مستوى رفيع من الوعي المسرحي فالخروج عن النص هنا لم يكن عبثا أو استعراضا بل كان إدارة ذكية لمأزق فني عابر وقد نجح عادل إمام في تحويل ضعف الموقف إلى مصدر قوة عبر توظيف صمت زملائه وضحكات مصطفى متولي لصالح المشهد ومع كل محاولة من الأخير لاستعادة توازنه كان الأول يضيف طبقة جديدة من الدعابة لتنشأ مبارزة كوميدية عفوية أصبحت لاحقا واحدة من أشهر لحظات المسرح العربي وأكثرها تداولا

أما سر استمرار تأثير هذا المشهد حتى اليوم فيعود إلى عوامل نفسية وفنية متعددة فالجمهور بطبيعته ينجذب إلى كل ما هو غير متوقع وعندما تنهار الشخصية الجادة أمامه بسبب الضحك يشعر بمفارقة تثير البهجة كما أن الضحك الحقيقي يمتلك قدرة هائلة على الانتقال بين البشر فيتفاعل المشاهد مع صدق اللحظة أكثر من تفاعله مع النكتة نفسها كذلك يمنح الخروج عن النص إحساسا نادرا بأن ما يحدث فريد وغير قابل للتكرار وهو شعور يرفع قيمة المشهد في الوجدان ويجعله حاضرا عبر الأجيال لذلك لم يعد هذا الارتجال مجرد لقطة عابرة بل تحول إلى أيقونة فنية أثبتت أن العبقرية الحقيقية قد تولد أحيانا خارج حدود النص المكتوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى