من حصار الخرطوم إلى حصار الفاشر والأبيض

بقلم/ محمد فؤاد عيد 

حين تتغير أدوات الحرب وتبقى معاناة المواطن السوداني

عبر مسافة زمنية تمتد لأكثر من قرن وربع يقف السودان أمام مشهدين متشابهين في القسوة وإن اختلفا في السياق والأدوات فمن حصار الخرطوم عام 1885 الذي شكّل منعطفاً حاسماً في تاريخ البلاد إلى الحصارات المعاصرة التي فرضتها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو على عدد من المدن السودانية يبدو أن التاريخ يعيد طرح السؤال ذاته بصور مختلفة من يدفع ثمن الحصار والحرب؟

فإذا كان حصار الخرطوم في القرن التاسع عشر قد جاء في إطار صراع سياسي وعسكري انتهى بسقوط نظام حكم قائم آنذاك فإن حصارات الحاضر تكشف عن واقع أكثر إيلاماً حيث تحولت الحرب إلى وسيلة للتجويع والتهجير والتفكيك الاجتماعي بينما ظل المدنيون هم الضحية الأولى والأخيرة.

 

التاريخ لا يكرر نفسه.. بل يعيد إنتاج مآسيه :

 

التاريخ لا يعيد نفسه بصورة متطابقة لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج بعض مشاهده بأسماء وأدوات مختلفة وبين حصار الخرطوم عام 1885 وحصار الفاشر خلال السنوات الأخيرة وما تواجهه مدينة الأبيض اليوم من قصف وضغوط عسكرية ومحاولات عزل تقف الذاكرة السودانية أمام سؤال جوهري: هل تغيرت الوسائل فقط أم أن معاناة المدنيين ما زالت هي ذاتها؟

عندما حوصرت الخرطوم في أواخر القرن التاسع عشر كانت تمثل مركز السلطة السياسية والعسكرية في السودان واستمر الحصار أشهراً طويلة قبل سقوط المدينة في يناير 1885 في واحدة من أبرز محطات التاريخ السوداني.

أما اليوم فإن المدن السودانية المحاصرة لم تعد مجرد أهداف عسكرية بل تحولت إلى ساحات لمعاناة إنسانية واسعة النطاق يدفع ثمنها المواطنون الأبرياء.

 

الفاشر… البداية.. وحصار الثمانية عشر شهراً :

 

 

شكّلت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور أولى المحطات الكبرى في مسار الحرب الحالية فمنذ مايو 2024 وحتى سقوط المدينة في أكتوبر 2025 عاشت الفاشر حصاراً استمر ثمانية عشر شهراً قطعت خلاله طرق الإمداد الرئيسية وتفاقمت معاناة السكان بسبب نقص الغذاء والدواء والوقود.

وخلال تلك الفترة تحولت المدينة إلى نموذج مأساوي للحرب الحديثة حيث استُخدم التجويع والحصار كأدوات ضغط عسكرية وترافقت العمليات مع أعمال قتل ونهب وتهجير واسعة النطاق وقد وثّقت منظمات دولية وبعثات تقصي حقائق انتهاكات خطيرة ضد المدنيين وسط عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات فعالة توقف الكارثة الإنسانية.

وكما انطلقت الثورة المهدية من غرب السودان قبل أكثر من قرن متجهة نحو الخرطوم جاءت التحركات العسكرية الحالية من الإقليم نفسه لكن الفارق أن الضحايا هذه المرة كانوا في المقام الأول من المدنيين العزل.

 

 

الخرطوم بين حصارين: 1885 و2023 – 2025 :

 

 

في الخرطوم تتجلى المقارنة التاريخية بصورة أوضح.

فبين مارس 1884 ويناير 1885 فرضت قوات المهدي حصاراً على العاصمة فعُزلت عن الإمدادات ونفدت المؤن وانتشرت الأمراض قبل سقوطها بعد عشرة أشهر من المعاناة وكان الهدف آنذاك إسقاط سلطة سياسية أجنبية وإنهاء مرحلة تاريخية محددة.

أما في الحرب الحالية فقد شهدت الخرطوم منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023 حصاراً من نوع مختلف فالعاصمة لم تُعزل فحسب بل تعرضت لدمار واسع طال أحياءها السكنية ومؤسساتها الخدمية والبنية التحتية فيها. وتحولت منازل المواطنين إلى ساحات قتال وتعرضت الممتلكات للنهب والتخريب بينما اضطر ملايين السكان إلى النزوح داخل السودان وخارجه.

وإذا كان حصار الخرطوم في القرن التاسع عشر قد استهدف سلطة قائمة فإن حصارها المعاصر أصاب المجتمع المدني في صميمه وجعل المواطن السوداني نفسه هدفاً مباشراً لنتائج الحرب وتداعياتها.

 

الأبيض… بوابة الوسط تحت الحصار :

 

 

تواجه مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان أوضاعاً بالغة التعقيد نتيجة الضغوط العسكرية المتواصلة واستهداف خطوط الإمداد الحيوية المؤدية إليها.

وتكتسب الأبيض أهمية استراتيجية خاصة بوصفها عقدة مواصلات رئيسية تربط وسط السودان بغربه الأمر الذي جعلها محوراً أساسياً في الصراع الدائر وخلال الأشهر الماضية تعرضت المدينة لقصف متكرر بالطائرات المسيّرة والمدفعية كما شهدت المنطقة المحيطة بها حشوداً عسكرية أثارت مخاوف واسعة من تكرار سيناريو الفاشر.

ولم تقتصر آثار الحصار على الجانب العسكري بل امتدت إلى تراجع الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية الأمر الذي وضع مئات الآلاف من المدنيين أمام أوضاع معيشية شديدة القسوة.

 

 

استراتيجية الحصار… عندما يصبح الغذاء سلاحاً :

 

 

تعتمد استراتيجية الحصار في جوهرها على السيطرة على طرق الإمداد والمنافذ الحيوية وعزل المدن عن محيطها بهدف استنزاف الموارد وإضعاف القدرة الدفاعية للخصم.

غير أن التجارب التاريخية أثبتت أن أول المتضررين من هذه الاستراتيجية هم المدنيون ففي ظل الحصار تتراجع الخدمات الأساسية وتصبح المواد الغذائية والأدوية نادرة وترتفع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة المواطنين بينما يتحول الغذاء والدواء والماء إلى أدوات ضغط لا تقل تأثيراً عن السلاح نفسه.

 

 

المواطن… الخاسر الأكبر :

 

 

ما يجمع الفاشر والخرطوم والأبيض وغيرها من المدن السودانية هو أن المواطن البسيط ظل الحلقة الأضعف في معادلة الحرب.

فالأطفال يفقدون حقهم في التعليم والمرضى يواجهون نقص العلاج والأسر تعيش تحت وطأة الخوف والقلق وعدم اليقين كما تؤدي موجات النزوح المستمرة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإضعاف الروابط الاقتصادية التي تقوم عليها المجتمعات المحلية.

وإذا كانت الجيوش قادرة على إعادة بناء قدراتها العسكرية مع مرور الوقت فإن إعادة بناء الإنسان واستعادة شعوره بالأمن والاستقرار والثقة تحتاج إلى سنوات طويلة وربما إلى أجيال كاملة.

 

 

حصارات الأمس واليوم.. الذي تغيّر :

 

 

يكمن الفارق الأساسي بين حصار الخرطوم عام 1885 وحصارات اليوم في طبيعة الحرب نفسها.

فحصار القرن التاسع عشر كان جزءاً من حرب تقليدية بأدوات ذلك العصر بينما تُخاض حروب اليوم في زمن الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة والإعلام الفوري كما أن المدن الحديثة تضم ملايين السكان وتعتمد على شبكات معقدة من الخدمات والإمدادات ما يجعل آثار الحصار أكثر اتساعاً وخطورة من أي وقت مضى.

لكن رغم اختلاف الأدوات فإن النتيجة بقيت واحدة المدنيون هم الخاسر الأكبر.

 

 

الدرس الذي لا ينبغي تجاهله :

 

 

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن حصار المدن قد يحقق مكاسب عسكرية مؤقتة، لكنه يترك جراحاً عميقة في الذاكرة الوطنية فمن الخرطوم في القرن التاسع عشر إلى الفاشر والأبيض في القرن الحادي والعشرين ظل المواطن السوداني يدفع الثمن الأكبر لكل صراع.

إن ما بين حصار الخرطوم بالأمس وحصار الفاشر والأبيض اليوم تتجسد حقيقة مؤلمة مفادها أن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه من تقدم أو تراجع عسكري بل بما تخلّفه من معاناة إنسانية وآثار اجتماعية طويلة الأمد.

فالأوطان تُبنى بفتح الطرق لا بإغلاقها وبحماية المدن لا بتحويلها إلى ساحات استنزاف. والتاريخ وإن كان يذكر القادة والمعارك، فإنه لا ينسى أيضاً المدن التي دفعت الثمن ولا الشعوب التي عانت ودفعت فاتورة الصراع.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه كم مدينة أخرى يجب أن تعاني حتى يدرك الجميع أن الانتصار الحقيقي ليس في السيطرة على المدن بل في الحفاظ على أهلها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى