علم الدين عمر يكتب : وللكلمات لكماتها.. هناء إبراهيم ومني أبوزيد وأشياء أخرى !!

حاجب الدهشة..

قرأت ذات مرة لكاتب جزائري أنه «وباستثناء مصارعة التماسيح فإن الكتابة اليومية هي أصعب مهنة في التاريخ..».. مصارعة التماسيح لم أختبرها.. أما الكتابة اليومية على حائط المشهد السوداني فهي الأصعب من حيث الفكرة والمضمون والجمل والتراكيب والألفاظ القاصرة عن التعبير عن حالة التوتر المجتمعي والسياسي والإقتصادي وحتى الثقافي التي تشكل المشهد العام في السودان..وبذلك ربما أحسن صديقي الجزائري القول.. وصدق.. ولذلك أجدني أتنكب الحروف لأتفيأ ظلال الكتابات الخفيفة اللطيفة..أستحلبها متلصصاً..متجاوزاً صراع التماسيح بزاويتي هذه على حوائط زميلتي العزيزتين هناء إبراهيم ومنى أبوزيد.. اللتين أتلمظ طعم الثلج فيما تكتبان في شأن الناس والأحداث..بما يشبه الكتابة علي قشور البرتقال..

وبعيداً عن هدير المدافع وصخب المنصات.. تستعيد الكلمات شيئاً من عافيتها.. ويسترد الإنسان حضوره الذي التهمته نشرات الأخبار وعناوين الكوارث.. ويوميات الحرب.. التي لم تستنزف الأرواح والإقتصاد فقط.. بل استنزفت كذلك المخزون اللغوي والوجداني لشعب مثقف.. باذخ الثقافة.. شديد الإحتفاء بها..أو هكذا كان.. وأصبح المنتج الصحفي السوداني.. في جانب غير قليل منه.. أسير اليوميات العسكرية.. وأرقام الخسائر، وبيانات الأطراف.. وملاحقة الشائعات.. وحتى المنتج الأدبي المكتوب إنكفأ إلى هوامش الحرب.. وانشغل الناس بمعاشهم اليومي ومخاوفهم المباشرة.. فتراجعت المساحات التي كانت تسمح للرواية والشعر والمقال الثقافي بأن تتنفس بعيداً عن الدخان..

ولعل أخطر ما يواجه الصحافة السودانية اليوم ليس فقط ضيق الموارد أو غياب المؤسسات.. وإنما انكماش الخيال المهني نفسه..فالكثير من النصوص باتت تكرر ذات المفردات.. وتعيد تدوير ذات المخاوف.. وتستعير ذات القوالب.. أصبح الخبر يطارد الخبر.. والشائعة تلاحق الفرية.. بينما تراجع التحليل العميق والكتابة الإنسانية التي تنقل نبض الناس وليس صدي الأحداث..

وفي الجانب الرسمي.. لا يخفى أن الخطاب الإعلامي للدولة كثيراً ما جاء غير متسق مع خطها السياسي.. فبينما تتحرك السياسة على الأرض في اتجاه.. تأتي الرسائل الإعلامية في اتجاه مغاير تماماً ..أو تصل متأخرة.. أو تكتفي بالعموميات..ومن هنا نشأت فجوات واسعة ملأتها وسائط التواصل الإجتماعي المصممة أصلاً لنسف المصداقية وتهديد رصانة الإعلام التقليدي المنضبط بفلاتر المهنية والمسؤولية القانونية.. وأزدهرت خلالها مغالطات الميديا حتى في صحيح الأخبار وثوابت النقل.. لأن الفراغ الإعلامي لا يبقى فراغاً لوقت طويل كما يقول أستاذنا حسين خوجلي (الفراغ بتملي فارغ)..

لقد أصبحت الكلمات نفسها تعاني الجفاف.. السلطة تكرر مفرداتها القديمة..والسياسة تعيد إنتاج خصوماتها.. والحرب تفرض قاموسها القاسي.. بينما يبحث الناس عن جملة واحدة تشرح ما يجري بلسان أدبي مبين..وتلك هي المعضلة.. كثرة الكلام وقلة المعنى.. فالكلمات التي كانت تبني الجسور أصبحت تقيم المتاريس..والعبارات التي كانت تجمع الناس صارت تؤسس للإنقسام والشك..

ولهذا كله أجدني أعود بين حين وآخر إلى تلك الكتابات الخفيفة اللطيفة.. ليس هروباً من الواقع ولا انصرافاً عن قضاياه.. ولكن بحثاً عن المعنى والرصانة في السهل الممتنع.. فربما كانت الكتابة.. في نهاية الأمر مجرد محاولة يومية لإنقاذ اللغة من التصحر.. وإنقاذ الصحافة من التكرار.. وإنقاذ الوعي السوداني من الضجيج.. حتى تستعيد الكلمات قدرتها القديمة على الإضاءة.. بدل هذا الإمعان الموجع في وصف العتمة والظلام..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى