الاقتصاد السوداني.. حلول بعيدة عن مركز الأزمة

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وفي حوار سابق للسيد جبريل إبراهيم، وزير المالية والاقتصاد الوطني بحكومة الأمل، ورئيس حركة العدل والمساواة، الفصيل الموقع على اتفاقية جوبا للسلام، مع قناة الجزيرة الإخبارية، للإجابة على سؤال “تجنيب” بعض من أموال إيرادات الاقتصاد السوداني لصالح الإيفاء بالتزامات اقتصادية أوجدتها اتفاقية جوبا للسلام، ذكر السيد الوزير بأنهم لا يلقون بالاً لكلام “الشوارع”.. نعم، استخدم هذا التوصيف لابتدار الإجابة على سؤال المحاور، وقال بأنهم بالكاد، ومن خلال إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك وإيرادات وزارة الطاقة وإيرادات الشركات والهيئات الحكومية المحددة والمعروفة، يحاولون الوفاء بالتزامات الموازنة العامة في الفصل الأول “المرتبات والأجور”، والتي تضاعفت أربعة مرات، و”بقت حاجة صعبة” حسب قوله آنذاك، والفصل الثاني بتوفير مال تسيير الدولة والتزاماتها تجاه الولايات، وقال بأنه إذا استطاعوا الوفاء بهذه الالتزامات دون اللجوء للاستدانة قال: “إننا بنكون مبسوطين جداً”.
(*) لم يعد سراً …
والأسئلة أعلاه، ومنذ وقتها ذاك أو قبله، ظلت تدور في ذهن كل من يقرأ في أزمة الاقتصاد السوداني التي أصبحت تتفاقم في كل يوم، وظل “اتهام” اتفاق جوبا للسلام، والذي ضم حركات الكفاح المسلح للحكومة السودانية، وأصبحت بنود الاتفاق جزءاً من “الوثيقة الدستورية”، بل وتعلو نصوصها عليها حال تقاطعت النصوص، قائماً بأنه جزء أصيل من الأعباء السياسية التي تثقل كاهل الموازنة العامة للبلد.
ولعل العقل المتعامل مع هذا الاتهام القديم المتجدد لا يزال يتعامل مع الأرقام المذكورة على أيام حكومة الانتقال التي وقعت هذا الاتفاق، والتي قدرت بأن الالتزامات المالية اللازمة للقول بأن الحكومة قد أوفت بما تم الاتفاق عليه في “جوبا” يقدر بمبلغ 7.5 مليار دولار، وهو بالضرورة يعادل ثلاثة أضعاف المبلغ المطلوب لسد العجز في الميزان التجاري في الدولة بحسب آخر تقارير وزارة المالية، وظلت جهات كثيرة تجهر بالقول بأن أحد أهم أسباب التدهور الاقتصادي في السودان هو “فاتورة” المحاصصات السياسية.
ولتعزيز الزعم أعلاه، يتم كذلك تداول أرقام كبيرة يقال بأنها عبارة عن عائدات الذهب لخزانة الدولة، ولا ترى عافية الاقتصاد السوداني منها نصيباً، الشيء الذي رد عليه السيد وزير المالية بأن الدولة في الحقيقة لا تنتج ذهباً، وقد تدخل في شراكات، إلا أن النصيب الأكبر هو لصالح القطاع الخاص، تأخذ منه الدولة الضرائب، وذكر شيئاً مهماً بأن نصيب الدولة من ذلك قليل؛ لأن ما يدخل إليها بشكل “رسمي” في مقابل ما يتم تهريبه قليل.
والسؤال هنا: هل هنالك التزامات “مالية” أوجدتها الاتفاقية؟ والإجابة بالضرورة نعم، وهي عبارة عن مشروعات تنمية وتعويضات، وبالضرورة فإن تنفيذ اتفاق جوبا، و”شيطان” التفاصيل الذي أفسد كل اتفاقيات السلام السودانية، إضافة إلى انقلاب 25 أكتوبر الذي خلط كل أوراق حكومة الانتقال الموقعة على الاتفاق وقتها، ومن ثم دخول الدولة في دوامة الحرب حتى الآن، جعل من الحديث عن الالتزام بالواجب المالي لاتفاق سلام يخص إقليماً هو الآن يمثل مسرحاً للعمليات القتالية، وأصبح غالبية سكانه إما نازحين أو في معسكرات اللجوء، وأضيفت “فاتورة” الحرب للأولويات عاجلة الصرف من موازنة الدولة، حديثاً يجافي المنطق، وبالتالي من “النافلة” الحديث عن تكلفة اتفاقية السلام.
ولا التنازع والمزايدة بين الأطراف حول هذا الموضوع توقيته مناسب في ظل ما تفرضه الحرب على الواقع الاقتصادي في السودان؛ لأن لا الواقع ولا المنطق الاقتصادي يدعمان فرضية قدرة إيرادات الدولة على الوفاء بالتزامات الحرب والسلام في آن واحد.
(*) مركز الأزمة الاقتصادية الحقيقي ..
ومع التسريبات التي يتم تداولها بين الحين والآخر عن قرب الإعلان عن تغييرات وزارية وشيكة سيتم الإعلان عنها كلما ارتفعت حمى الاقتصاد السوداني و”جن” جنون الدولار، غالباً ما يذهب العقل الكسول إلى الظن بأن هذه التغييرات الوزارية سيكون وراءها الحل للأزمة الاقتصادية في السودان، هذا باعتبار أن مركز الأزمة في الأشخاص الذين يشغلون المناصب والحقائب الوزارية، وليس في السياسات الاقتصادية وهياكل الدولة بشكلها العام.
يذهب التفكير إلى أن تغيير وزير المالية هو مفتاح الحل الشامل للاقتصاد السوداني، على الرغم من أن هذا الحل هو أكثر المناهج استخداماً لتخدير الشعب السوداني في موضع العمليات لجراحة الاقتصاد السوداني دون أي نتائج لاستئصال مرض خبيث أصابه.
الحلول التي تخاطب مركز الأزمة الاقتصادية ليست لها علاقة بالأشخاص أكثر من علاقتها بسياسات الدولة الاقتصادية، والتي يمثل الأشخاص جزءاً منها، والاقتصاد السوداني ظل يعاني من تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، والانهيار التام في الصادرات غير النفطية، بالإضافة إلى ضعف ومشكلات قدرة الدولة على السيطرة على تهريب الذهب والسلع، إضافة إلى تعدد مراكز الإيرادات الحكومية، والصرف الحكومي غير المرشد، والانعدام التام للشفافية المالية في الدولة السودانية، وهذا بالضبط يمثل مركز الأزمة الاقتصادية في السودان، وتعتبر أي حلول من شاكلة ما يخرج من قرارات حكومية ذات علاقة بالدولار الجمركي وضوابط استيراد السلع والمشتقات البترولية بعيدة تماماً عن مركز الأزمة، وبالتالي تعتبر في حد ذاتها جزءاً أصيلاً من مظاهر الأزمة المتكررة.
الحلول البعيدة عن مركز الأزمة هي التي تقود الاقتصاد السوداني إلى أفكار زيادة مصادر الجبايات الحكومية والضرائب والتحصيل، واستبعاد ملف الإنتاج من دائرة الاهتمام الحكومي.
مبلغ 7.5 مليار دولار، والذي تم ذكره كتقدير لتنفيذ مطلوبات الاتفاق، ذكر بأنه سيتم توجيهه للصناديق الخاصة ومصروفات الترتيبات الأمنية وتنفيذ الهياكل الجديدة، إضافة إلى نسب توزيع السلطة والثروة، يجب أن يضع أمامنا سؤالاً: هل امتلكت الدولة الموارد اللازمة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه عند التوقيع؟
وحال التفكير في أن إقالة وزير المالية من منصبه يجب أن يكون ذلك قائماً على تقييم الأداء، والذي يشمل كل شاغلي المناصب الدستورية دون استثناء، وليس فقط من زاوية الرغبة في التنصل من اتفاق سياسي بالأساس لا توجد إجابات وأرقام محددة لحجم الإنفاق الحكومي على تنفيذ الاتفاق.
والسؤال هنا: هل توجد مراجعة عامة للأموال وحجم الإنفاق الحكومي حتى نبني عليه الحلول والقرارات؟
جبريل إبراهيم، وزير المالية الحالي، يعتبر صاحب أطول فترة يقضيها وزير في هذه الحقيبة، ويجب أن يخضع تقييم أدائه في هذه الوزارة وفقاً للمعايير المتعارف عليها في هذا الأمر بالنظر إلى استقرار سعر الصرف، والأرقام التي تقرأ بها حالة “التضخم”، وجذب الاستثمار. والسؤال: هل وفر دراسات وخططاً تحدث اختراقاً حقيقياً في كل هذه الملفات، أم ظل يتفرج على حال الاقتصاد السوداني بحجج الحرب ومنصرفاتها؟
ومع فرضية التغيير الوزاري المحتمل، إن لم يكن كسابقاته من الفرضيات لجس النبض العام وردة فعله تجاه الحلول البعيدة عن مركز الأزمة، هل يمكننا إعطاء إجابة لسؤال: إن كان وزير المالية في هذا البلد شخصاً غير جبريل إبراهيم، وزير المالية الحالي، والذي جاء للمنصب برافعة اتفاقية سلام جوبا، فهل كانت نتائج القرارات ذات العلاقة بالاقتصاد ستختلف عما هي عليه الآن؟ لأن الإجابة هنا ستساعد كثيراً في التعرف على الفائدة التي سيجنيها الاقتصاد السوداني من التغييرات الوزارية المحتملة.
هنا لا يمكننا أن نغض الطرف عن أن هنالك عيوباً جوهرية لم يُبدِ السيد الوزير أي اجتهاد في التعامل معها، وأهمها تحول الموازنة إلى أداة تحصيل أكثر من كونها أداة لدفع عجلة التنمية، إضافة إلى عدم الاجتهاد في تنفيذ الوعود بمحاربة الفساد، والاتجاه نحو التحول الرقمي للتضييق على مسألة الهدر، إضافة إلى دعم الإنتاج، وبالتالي يحتاج السيد وزير المالية للدفع بأسباب أقوى من عضل اتفاقية السلام في هذا الخصوص حتى يكون أهلاً للبقاء في هذا المنصب الذي يحتاج شاغله لإنتاج حلول قريبة من مركز الأزمة.



