حلاوة “العودة”

أحتفى به محمد وردي
عثمان مصطفى .. صوت شاسع كالصحراء عميق كالبحر
تقرير: سراج الدين مصطفى
بداية مختلفة:
ولد عثمان مصطفى حاملا صوتا مميزا سرعان ما لفت الانتباه بقدرته على التعبير وقوة الأداء واتساع المساحات الصوتية ولم يكن تميزه قائما على خامة الصوت وحدها بل على وعي موسيقي جعله يبحث عن التطور ويمنح تجربته عمقا خاصا حتى اصبح واحدا من الاصوات السودانية التي يصعب تشبيهها بغيرها عبر تاريخ الغناء السوداني.
ثقة وردي:
وجد الموسيقار محمد وردي في صوت عثمان مصطفى امكانات كبيرة تستحق الاحتفاء فكان اقتناعه بقدراته الصوتية دافعا مهما في مسيرته واهدى له اغنية مشتاقين لتصبح واحدة من العلامات التي ارتبطت بتجربته وتؤكد ان عثمان لم يكن مجرد مطرب يمتلك صوتا قويا بل فنانا قادرا على حمل الاغنية بإحساس عميق ومتفرّد.
دراسة موسيقية:
لم يكتف عثمان مصطفى بالموهبة الفطرية واتجه الى دراسة الموسيقى التي اسهمت بصورة كبيرة في صقل قدراته وتجويد ادائه وتوسيع معرفته بعناصر العمل الموسيقي وقد انعكس ذلك على تجربته الغنائية فصار اكثر وعيا بالتفاصيل الفنية واكثر قدرة على التعامل مع صوته باعتباره اداة موسيقية تحتاج الى التدريب والمعرفة المستمرة والوعي.
رحلة أكاديمية:
تدرج عثمان مصطفى في المجال الاكاديمي حتى وصل الى مرحلة الاستاذية بكلية الموسيقى وهو انجاز يكشف عن جانب مهم في شخصيته الفنية فقد جمع بين الموهبة والعلم والممارسة واصبح قادرا على نقل خبرته للاجيال الجديدة ليؤكد ان الفنان الحقيقي يستطيع ان يكون مبدعا ومعلما وصاحبا تجربة معرفية مؤثرة وراسخة في الوجدان.
شهادة عبدالوهاب:
ارتبط اسم عثمان مصطفى بشهادة مهمة من الموسيقار المصري الكبير محمد عبدالوهاب الذي وصف صوته بعبارة عميقة تشبهه بالصحراء في اتساعها وبالبحر في عمقه وهي شهادة تحمل دلالة واضحة على ضخامة خامته الصوتية وقدرتها على الوصول الى مساحات واسعة من التعبير والغناء دون ان تفقد خصوصيتها السودانية الأصيلة العميقة.
ذاكرة الأغنية:
قدم عثمان مصطفى خلال مسيرته مجموعة من الاغنيات التي بقيت حاضرة في الذاكرة السودانية وتأتي ماضي الذكريات في مقدمتها باعتبارها من الاعمال التي اكتسبت مكانة خاصة في وجدان المستمعين فقد استطاع عبرها ان يمنح الكلمة واللحن مساحة واسعة من الاحساس وان يجعل صوته جزءا من ذاكرة الاغنية السودانية الحية.
أستاذية فنية:
تكمن قيمة عثمان مصطفى في الجمع بين الصوت الموهوب والتكوين الموسيقي الرفيع والتجربة الاكاديمية التي منحته رؤية اوسع للفن فلم يكن حضوره مرتبطا بالغناء وحده بل امتد الى التعليم وصناعة المعرفة الموسيقية وهذا الجمع جعله نموذجا للفنان الذي يطور موهبته بالعلم ويترك اثرا يتجاوز زمنه ومساحته الخاصة ويمنح الاجيال درسا فنيا متجددا.
رحيل مؤلم:
رحل عثمان مصطفى بعد مسيرة طويلة ترك خلالها رصيدا فنيا وانسانيا يصعب اختزاله في اغنية او شهادة او مرحلة فقد ظل صوته شاهدا على زمن جميل من الغناء السوداني وبقيت تجربته دليلا على قيمة الجمع بين الموهبة والدراسة والانضباط ورحل تاركا حزنا كبيرا وذاكرة لا يغيب عنها صوته المميز العميق والآسر.
/////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
التجاني حاج موسيقى .. شاعر الروائع والدرر النفسية
ذاكرة حية:
التجاني حاج موسى واحد من الاسماء التي ارتبطت بذاكرة الاغنية السودانية ووجدان المستمعين عبر نصوص غنائية صنعت حضورا خاصا وظلت حاضرة رغم تغير الازمنة فهو شاعر امتلك قدرة نادرة على صياغة المفردة العاطفية وتحويل التجربة الانسانية الى اغنية تمس القلب وتبقى في الذاكرة طويلا دون ان تفقد بريقها.
حروف خالدة:
كتب التجاني حاج موسى اغنيات كثيرة شكلت جزءا من الوجدان السوداني ووجدت طريقها الى اصوات كبار المطربين فكانت كلماته اكثر من مجرد نصوص تسبق اللحن والغناء لقد امتلك حس الشاعر الذي يرى التفاصيل الصغيرة ويمنحها معنى اوسع ثم يضعها في عبارات سهلة وواضحة وعميقة تستطيع الوصول الى الناس دون عناء كبير.
عصير التجربة:
الشعر عند التجاني حاج موسى لم يكن صنعة عابرة او بحثا عن حضور سريع بل كان حالة من المعايشة والاحساس العميق لذلك جاءت نصوصه مشبعة بالحب والحنين والانتظار والاشواق وهي مشاعر ظل يسكبها في اوراقه كما يسكب الانسان خلاصة عمره حتى تحولت الى سجل غني من العاطفة السودانية.
صوت الوجدان:
القيمة الحقيقية في تجربة التجاني حاج موسى تكمن في قدرته على صناعة نص غنائي يعيش خارج زمنه فالاغنية التي يكتبها لا تنتهي بانتهاء لحظة سماعها بل تترك اثرا يتجدد كلما عاد اليها المستمع وهذا ما جعل عددا كبيرا من اعماله يتحول الى ذاكرة تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل.
غياب مؤلم:
المفارقة ان شاعرا بهذا الحضور الكبير في تاريخ الغناء السوداني يبدو اليوم بعيدا عن المشهد الفني وكأن الساحة فقدت قدرتها على الاحتفاء بمن صنعوا جزءا من ذاكرتها وهذا الغياب يفتح سؤالا مشروعا عن علاقة الوسط الثقافي بمبدعيه وهل نتذكرهم فقط حين ترحل اجسادهم ام نمنحهم حضورهم وهم احياء.
ذاكرة الفنان:
التجاني حاج موسى لا يحتاج الى شهادة جديدة تثبت مكانته فاغنياته وحدها تكفي للدلالة على قيمة تجربته وما قدمه للموسيقى السودانية لكن استمرار الغياب يظل امرا مؤسفا في زمن تحتاج فيه الاجيال الجديدة الى الاقتراب من تجارب الشعراء الكبار وفهم كيف صنعت الكلمة جسرا بين النص واللحن والاداء.
سؤال الحضور:
اين انت عزيزي التجاني حاج موسى سؤال لا يحمل عتابا بقدر ما يحمل شوقا الى شاعر ارتبط اسمه بمرحلة من تاريخ الاغنية السودانية والمشهد يحتاج الى عودة اصواته وذاكرته والى مساحة تستعيد فيها تجربته حضورها بين الناس وان الشعر الغنائي السوداني يفقد كثيرا حين يغيب اصحابه عن المشهد.
عودة ممكنة:
ربما تكون عودة التجاني حاج موسى الى الساحة فرصة لاعادة اكتشاف جانب مهم من تاريخنا الغنائي عبر لقاءات وقراءات وتوثيق للنصوص والذكريات فالمبدعون الكبار لا ينبغي ان يصبحوا مجرد اسماء في الارشيف بل يجب ان تظل تجاربهم حاضرة دائما في الوعي وان تجد الاجيال طريق الى ما كتبوه.
///////////////////
نص كلمة
جواهر بورتسودان .. أين اختفت الهوية؟
الهوية الغائبة:
يبدو ان الفنان حين يعبر حدود بلاده نحو فضاء اعلامي اوسع يصبح مطالبا بالحفاظ على جذوره لا بالتنكر لها وجواهر بورتسودان تقدم نموذجا واضحا لهذا التحول فقد ابتعدت كثيرا عن ملامحها السودانية في الشكل والمضمون حتى بات حضورها الفني اقرب للهوية المصرية منه للسودانية التي انطلقت منها.
التحول الفني:
المشكلة ليست في التأثر بالبيئة المصرية او الاستفادة من تجربتها الفنية فالانتقال بين الثقافات امر طبيعي ومشروع لكن المعضلة تبدأ حين يطغى التأثر على الشخصية الاصلية ويصبح الفنان عاجزا عن تقديم خصوصيته التي صنعت حضوره الاول وجواهر امتلكت في بداياتها ملامح فنية مختلفة قبل ان تتراجع بوضوح.
ملمح سوداني:
كان يمكن لجواهر ان تحقق حضورا عربيا واسعا وهي تحمل خصوصيتها السودانية وتستفيد في الوقت نفسه من المناخ المصري الذي احتضن تجربتها لكن ما حدث جعل المسافة بينها وبين جذورها تبدو اكبر من اللازم وربما تحتاج اليوم الى مراجعة تجربتها واستعادة بعض ملامحها الاولى التي منحتها تميزها وجاذبيتها.
////////////////
كلام فى الفن
فهيمة عبدالله:
الحقيقة التي يتقافز فوقها البعض هي أن فهيمة عبدالله صوت عادي لا يحمل سمات جديدة في التطريب او الخيال الادائي او التلوين الصوتي والقدرة على الصعود والهبوط بحسب سلالم النوتة الموسيقية وحتى الآن لم تقدم اغنية واحدة تلمس فيها اضافة شكلية او نوعية تجعل تجربتها مختلفة عن السائد في الساحة.
عبدالفتاح الله جابو:
يحفل تاريخنا الغنائي والموسيقي باسماء قدمت الكثير ولم تستبق شيئا من حضورها الفني وفي مقدمة تلك الاسماء الموسيقار عبدالفتاح الله جابو عازف الكمان الكبير الذي وضع الاسس الاولى لفرقة الاذاعة الموسيقية واشرف على معظم تسجيلاتها فكان حاضرا في صناعة الصوت الاذاعي وظل اسمه مرتبطا بمرحلة مهمة من تاريخ الموسيقى السودانية.
ابراهيم حسين:
كان الراحل ابراهيم حسين صاحب تجربة غنائية في منتهى الوسامة فرض سطوته وحضوره منذ مجيئه من كسلا وارض القاش فقد تشبع بضوء النجوم وصعد قمم الموسيقى والغناء كما كان يصعد قمم تاكا وتوتيل وشكل ثنائية باذخة مع محمد عثمان كجراي واسحاق الحلنقي وقدم لما الريد يفوت حدو وشجون ونجمة نجمة.
الدراما السودانية:
من اسباب تعثر الدراما السودانية عدم الاقتراب الكافي من القضايا المطروحة في الشارع وهي القضايا التي تجذب المواطن وتجعله يرى نفسه وحياته على الشاشة وقد سبقتنا الدراما المصرية في هذا الجانب بسنوات طويلة حين جعلت هموم الناس وقضايا المجتمع مادة في اعمالها فحققت قربا كبيرا من الجمهور واستمرارا في التأثير.
محمد نعيم سعد:
حين اتأمل مسرحية المهرج اجد نفسي امام حالة فارقة من الابداع لان محمد نعيم سعد وضع عليها بصماته الاخراجية ذات البعد العميق وقدم رؤية مسرحية تحمل وعيا لكن المفارقة ان ذات محمد نعيم الممثل المختلف يغيب عن ساحة الدراما بكل تفرعاتها وهو غياب يطرح سؤالا عن عودة الفنان صاحب التجربة.




