كردفان.. معركة المفاصل

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
كردفان لم تعد تنتظر دورها في هذه الحرب، فقد أصبحت هي نفسها جزءاً من مفتاحها. وما يجري على أرضها ليس مجرد تحرك عسكري بين موقع وآخر، وإنما صراع على الجغرافيا التي يمكن أن تغيّر اتجاهات المعركة وتعيد ترتيب أوراقها.
ولذلك يأتي خبر تحرير المزروب بشمال كردفان أكبر من مساحة الخبر نفسه. فالمزروب ليست اسماً جديداً يضاف إلى قائمة المواقع التي تبدلت فيها خطوط السيطرة، وإنما نقطة على خارطة شديدة الحساسية، وكل تقدم فيها يفتح للقوات المسلحة مساحة جديدة في حسابات الحركة والإمداد وتأمين الطرق.
هنا تحديداً ينبغي أن نقرأ المشهد بعيداً عن ضجيج البيانات وتلك السياسة التي تحب أن تجعل من كل معركة مقدمة لصفقة. فالميدان لا يتعامل مع الأمنيات، والجغرافيا لا تعرف المجاملات، ومن يملك الأرض يملك جزءاً مهماً من القدرة على صناعة المرحلة التالية.
والقوات المسلحة، وهي تخوض هذه المعركة، لا تقاتل من أجل خريطة عسكرية فحسب؛ إنها تقاتل من أجل دولة تريد مليشيا الدعم السريع أن تنتزع منها حقها الطبيعي في احتكار السلاح والقرار والأمن. ومن هذه الزاوية تصبح كردفان معركة مفاصل، لا معركة مواقع.
فالذي يحدث هناك سيترك أثره في بقية المشهد، وسيعيد ترتيب حسابات الداخل والخارج معاً. ومن يظن أن الحرب يمكن أن تُحسم في غرف التفاوض وحدها، عليه أن ينظر أولاً إلى ما تفعله الجغرافيا على الأرض.
واللافت أن بعض الخطابات الخارجية ما زالت تتعامل مع الأزمة وكأنها مسألة يمكن حلها بتغيير صياغة أو إضافة فقرة إلى مبادرة. لكن الحرب التي دفع ثمنها أهلنا لا تُدار بقلم المبعوثين، ولا تنتهي بمجرد إعلان هدنة جديدة.
نحن نريد السلام، ولكن السلام الذي يحفظ الدولة ولا يكافئ التمرد. نريد التفاوض، ولكن تفاوضاً لا يحوّل المليشيا إلى طرف مساوٍ للدولة في الشرعية والسلاح. ونريد حواراً سودانياً ــ سودانياً، يفتح الطريق أمام السودانيين ليقرروا مستقبل بلادهم بأنفسهم، بعيداً عن الوصاية والإملاء.
وهذه ليست شروطاً تعجيزية؛ إنها أبسط قواعد أي دولة تريد أن تخرج من حرب بهذا الحجم دون أن تترك خلفها قنبلة مؤجلة الانفجار.
المشكلة أن بعض العواصم تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة. هناك من يريد وقف إطلاق النار بأي ثمن، ولو كان الثمن إبقاء جذور الأزمة كما هي، وهناك من يتعامل مع الملف باعتباره فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق حساباته الخاصة. لكن بلادنا ليست ورقة تفاوض، ولا مؤسساتها ملكاً لأحد، والقرار الوطني ليس مادة قابلة للمقايضة.
لذلك فإن كل مبادرة خارجية ينبغي أن تُقرأ بعين مفتوحة: ماذا تقدم لإنهاء الحرب فعلاً؟ ماذا تفعل تجاه مصادر السلاح والتمويل؟ وكيف تضمن ألا تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة بناء مليشيا الدعم السريع؟
فلا معنى لوقف النار إذا ظل الوقود يصل إلى الحرب، ولا معنى للحديث عن السلام إذا بقي السلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا معنى لأي تسوية إذا كانت نهايتها إعادة إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
وفي هذا السياق، فإن ملفات مجلس الأمن والعقوبات وحظر السلاح تكتسب أهمية خاصة، لأن التعامل الدولي مع الحرب لا ينبغي أن يقتصر على الضغط السياسي على الدولة، بينما تستمر قنوات التسليح والدعم التي تغذي المليشيا.
المعادلة العادلة بسيطة: من يريد إيقاف الحرب فعليه أن يعمل على تجفيف منابعها، لا أن يطالب الدولة وحدها بتقديم التنازلات.
ومن هنا تبدو معركة كردفان أكثر ارتباطاً بالسياسة مما قد يبدو في ظاهرها. كل موقع تستعيده القوات المسلحة يغيّر حسابات الميدان، وكل تغير في الميدان ينعكس على طاولة السياسة. ولذلك فإن من يقرأ السياسة منفصلة عن الجغرافيا يفوّت نصف المشهد.
والمعركة في النهاية ليست معركة جنود فقط، وإنما معركة دولة تريد أن تستعيد كامل سلطتها على أرضها. لهذا يجب أن يكون الظهر السياسي للمؤسسة العسكرية بقوة الظهر الشعبي، وأن تكون الرسالة الوطنية واضحة: لا تقسيم، ولا دولة موازية، ولا شرعنة للسلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا تسوية تُبقي أسباب الحرب قائمة.
لقد طال الطريق، وكثرت المبادرات، وتبدلت العناوين، لكن جوهر القضية لم يتغير. نريد وطناً واحداً ودولة واحدة وجيشاً واحداً وقراراً لا يأتي من الخارج.
وكردفان اليوم تقول إن المعركة دخلت مرحلة لا تنفع معها القراءة السطحية. فالمزروب محطة، لكنها أيضاً إشارة إلى أهمية الجغرافيا في رسم المرحلة المقبلة، وإلى أن الوقائع التي تُصنع على الأرض ستظل حاضرة في أي حساب سياسي قادم.
ولعل الرسالة الأهم أن السلام الحقيقي لا يبدأ من إضعاف الدولة، بل من استعادة الدولة لقوتها الكاملة، ثم فتح الباب أمام حوار وطني لا يُملى من الخارج ولا يُدار بمنطق المحاصصة.
نحن لا نبحث عن انتصار في الكلام، وإنما نبحث عن نهاية للحرب تحفظ الوطن.
ولـ«هوامش السيادة» كلمة: كردفان ليست هامشاً في دفتر الحرب، والمزروب ليست مجرد خبر عسكري. إنها واحدة من العلامات التي تؤكد أن الجغرافيا ما زالت تصنع السياسة، وأن من يريد كتابة مستقبل البلاد عليه أولاً أن يفهم أن السيادة لا تُدار بالوكالة، وأن الوطن الذي دفع كل هذا الثمن لا يجوز أن يخرج من الحرب بنصف دولة ونصف سلام.



