نبتة تمرض ولا تموت.. من رحم النزوح يولد الإبداع السوداني

 

من حواري فيصل بالقاهرة، ومن بين تفاصيل النزوح والمعاناة، خرج صوت سوداني يحمل الكاميرا ليحكي قصة وطن لا يزال قادرًا على صناعة الجمال رغم قسوة الحرب.

 

في لحظة تختصر الكثير من الألم والأمل، نجح صانع الأفلام الوثائقية سيف الدين حسن في الوصول إلى المركز الأول في إحدى دورات المهرجان العربي بتونس، بعد منافسة قوية شاركت فيها مؤسسات وشبكات إعلامية كبيرة، من بينها شبكة الصين الدولية التي تضم مئات القنوات المتخصصة، وحصلت على المركز الثاني في الدورة ذاتها.

 

لم يكن الفوز مجرد جائزة لفيلم وثائقي، بقدر ما كان رسالة تقول إن الإبداع السوداني يستطيع أن يجد طريقه إلى المنصات العربية والدولية، حتى عندما يولد من واقع الحرب والنزوح.

 

من رحم المعاناة إلى شاشة المهرجان

 

قصة سيف الدين حسن ليست منفصلة عن واقع آلاف السودانيين الذين وجدوا أنفسهم خارج مدنهم وبيوتهم بسبب الحرب. غير أن بعض أبناء هذا الوطن اختاروا أن يحولوا الألم إلى صورة، والذاكرة إلى فيلم، والمعاناة إلى حكاية تصل إلى الآخرين.

 

ومن هنا تأتي قيمة هذا الإنجاز؛ فالفيلم لم يحمل اسم صاحبه وحده، وإنما حمل معه شيئًا من السودان، بتاريخه وثقافته وإنسانه وذاكرته.

 

والأهم أن هذا النجاح أعاد تسليط الضوء على تجربة نبتة للإنتاج الإعلامي، المؤسسة التي ارتبط اسمها على مدى سنوات بعدد من المشاريع الإعلامية والوثائقية التي سعت إلى تقديم السودان بصورة مختلفة، من بينها: صائد التماسيح، الشلك، أرض الحضارات، مراكب الشمس، ممالك على النيل، درب الأربعين، الحجة من النهر إلى البحر، مروان الخرطوم الدولي، سحر الأماكن، وأرض السمر، إلى جانب قناة الزرقاء الفضائية وغيرها من المشاريع.

 

نبتة تمرض ولا تموت

 

قد تتوقف المشاريع، وقد تفرض الظروف قسوتها، وقد تتغير الخرائط، لكن المؤسسات التي تأسست على فكرة حقيقية لا تموت بسهولة.

 

وهكذا تبدو نبتة اليوم؛ مؤسسة مرت بالكثير، وتعرضت لضغوط الحرب وتداعياتها، لكنها ما زالت تنتج وتنافس وتحضر في المشهد الإعلامي.

 

ويأتي هذا الفوز ليؤكد أن ما زرعته نبتة خلال سنوات لم يذهب سدى، وأن التجارب المتراكمة يمكن أن تعود من جديد، حتى من قلب الظروف الصعبة.

أما مشروع أرض السمر، فيظل واحدًا من أضخم المشاريع التي سعت إلى تقديم التاريخ السوداني وذاكرته وحضارته في قالب بصري واسع، بما يجعل استمرار الفكرة اليوم أكثر من مجرد عمل إعلامي؛ إنه حفاظ على الذاكرة السودانية في زمن تتعرض فيه الذاكرة نفسها لخطر النسيان.

 

انتصار يتجاوز الجائزة

 

في زمن الحرب، لا تُقاس الانتصارات دائمًا بعدد البنادق أو مساحة الأرض. أحيانًا يكون الانتصار أن تصل صورة السودان إلى العالم، وأن تُروى حكايته بأيدي أبنائه، وأن يقف فيلم سوداني على منصة عربية إلى جوار مؤسسات إعلامية كبرى.

 

لذلك أرى في هذا الفوز انتصارًا للسودان نفسه، ورسالة بأن الحرب لم تستطع إطفاء جذوة الإبداع، وأن السوداني قادر على تحويل محنته إلى قصة تستحق أن تُروى.

شهادة من داخل التجربة

 

وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر بالفخر لأنني كنت جزءًا من هذه المؤسسة العريقة لسنوات، وكنت ضمن الفريق الذي شارك في تنفيذ هذا الفيلم.

 

كل الشكر والتقدير للأستاذ سيف الدين حسن، وللزملاء الذين حملوا معهم مسؤولية إنجاز هذا العمل، وفي مقدمتهم الأستاذ سيف حسين، والأستاذة رقية نوري، والشاب المبدع أحمد دنقلاوي المشرف على اللمسات الفنية، ومعاذ حميدتي، ومحمد بريمة، والأستاذ الشاب الخلوق محمد طارق، والأستاذ مأذن خضر، وكل من أسهم في خروج هذا العمل إلى النور.

وليس أخيرًا، أتوقف عند نفسي، صالحين، الذي كان جزءًا من هذه الرحلة ومن هذا الفريق.

 

ربما تبدو الجائزة في ظاهرها تتويجًا لفيلم، لكنها في حقيقتها تتويج لرحلة طويلة من العمل والإصرار.

 

الحمد لله أنني كنت جزءًا من هذا الألم وجزءًا من هذه التجربة، وجزءًا من مؤسسة أثبتت أن نبتة قد تمرض، لكنها لا تموت.

 

وستظل الكاميرا السودانية قادرة على أن تقول للعالم:

نحن هنا.. وما زال لدينا ما نحكيه.

صالحين ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى