علم الدين عمر يكتب: لجنة علي أنقاض لجنة وشيء من (فارغة ومقدودة)!!

حاجب الدهشة
علي سبيل (الفارغة والمقدودة).. طالعت بالأمس خبراً مقتضباً.. صغيراً تم دسه بعناية في بعض مجموعات التواصل الإجتماعي حول إعتزام الدولة تشكيل لجنة جديدة للحوار السوداني السوداني..تبادر لذهني فوراً أن أخطر ما يحيط بملف الحوار السوداني ذلك الغبار الكثيف من التكهنات والأقاويل والأحلام والأمنيات التي تختلط فيها الحقائق بالتسريبات.. وتتحول فيها القضايا الإستراتيجية لمادة للهتاف والمزايدات السياسية..وكأن الدولة مطالبة بأن تدير معاركها على الهواء مباشرة.. وتكشف أوراقها قبل أن تنضج حساباتها..
ومع التسريبات حول احتمال تعيين الدولة للجنة جديدة على أنقاض لجنة تهيئة الحوار التي بدأت تتدخل في شؤون تتجاوز تكليفها كمبادرة مجتمعية أهلية.. يصبح ضرورياً استصحاب أربع نقاط لا بد منها لفهم ما يجري بعيداً عن الضجيج..
أولاً.. المباحثات ليست هي التفاوض على وقف الحرب.. هناك مباحثات سودانية أمريكية.. وسودانية إقليمية وسودانية دولية.. مع الرباعية والخماسية..وأرقام أخري.. مستمرة منذ فترة طويلة.. تتعلق بالقضايا الثنائية وتقاطعاتها.. من الإستثمار وأمن البحر الأحمر إلى قضايا القرن الأفريقي وغيرها من الملفات..هذه مسارات لها حساباتها ومصالحها.. ولا يجوز اختزالها جميعاً في ملف الحرب.. أو التعامل معها باعتبارها طاولة واحدة وموضوعاً واحداً..
ثانياً.. مسعد بولس ليس طارئاً على المشهد السوداني..ففي إطار مبادرة الرئيس ترامب للسلام يتحرك المبعوث الأمريكي مسعد بولس على هوامش المشهد السوداني منذ مدة.. وقد التقى الرئيس البرهان على فترات.. وهناك تواصل مع القيادة السودانية.. بصورة منفردة وبالتقاطع مع مصر والسعودية..هذا يعني أن مسارات الإتصال والتحرك الدبلوماسي قائمة.. حتى عندما لا تكون تفاصيلها متاحة للرأي العام..ولا يعني بالضرورة أن كل ما يُتداول بشأنها قد بلغ مرحلة الاتفاق أو الحسم..
ثالثاً.. واهم من يعتقد أن الدولة السودانية نفضت يدها من طاولات الحوار والتفاوض الدولية والإقليمية.. فبمثلما هناك قوات تقاتل على الأرض.. هناك خبراء ومفاوضون ودبلوماسيون ومبعوثون..مدنيون وعسكريون يعملون تحت الطاولات وفوقها..ومثلما للأمريكان وغيرهم رؤى ومطامع وموجهات.. للسودان كذلك رؤاه ومصالحه وموجهاته التي تحكم حركته..
لذلك لابد من التمييز بين الحوار السوداني ـ السوداني.. الذي يستهدف معالجة الإختلالات السياسية وبناء التوافق الوطني.. والتفاوض على وقف الحرب وشروطه وترتيباته.. والتعامل مع التقاطعات الخارجية التي تتصل بمصالح الدول وأمن الإقليم.. هذه مسارات متداخلة.. لكنها ليست شيئاً واحداً..
رابعاً.. لا ينبغي أن نخلط بين حق المعرفة وواجب الإدارة..مطالبة الدولة بالكشف عن كل خطواتها ومفاوضاتها للرأي العام لا تصدر عن تقدير استراتيجي بالضرورة.. بل يرفعها أحياناً ناشطون سياسيون وكأن الشفافية تقتضي وضع جميع الأوراق فوق الطاولة قبل أوانها.. القوى السياسية الحقيقية مطلوب منها أن تسند القرار بالخطط والموجهات والرؤى بدل الصياح (الأشتر) وركوب موجة الهتاف الأسفيري وتشويش الناشطين..
إذا كانت لجنة تهيئة الحوار قد تجاوزت حدود مبادرتها المجتمعية الأهلية.. كما تزعم فإن تصحيح المسار يقتضي وضوح التكليف والمرجعية والحدود.. وليس صناعة لجان تتنازع الإختصاصات وتضاعف الغموض.. الحوار الوطني ليس واجهة لتسجيل المواقف..ولا ساحة لتوزيع الأدوار..هو عملية سياسية تحتاج إلى رؤية واضحة وأطراف جادة وأجندة معلومة.. تضع مصلحة السودان فوق حسابات القوى والمجموعات..
في النهاية.. ستنتهي هذه الحرب على طاولات بنية اللون.. مغطاة بأقمشة بيضاء.. تعلوها مكاسب تُحترم بقدر ما تصون من دماء قانية وعزيزة بُذلت لتكون النهاية انتصار..
وهذا ما عبرت عنه القيادة دائماً.. في مخاطباتها وخطاباتها وخطها وخطوطها المتقاطعة مع كل شيء وكل أحد..
نواصل



