الكاتب الصحفي فاروق الدسوقي: أنا وليلى

قد تظن، للحظات، من عنوان «أنا وليلى» أن مقالي عن أغنية القيصر كاظم الساهر الشهيرة، التي غناها عام 1998، وحملت اسمًا ارتبط في ذاكرة كثيرين بالحب والوجع والحكايات المستحيلة.
لكن حكايتي مختلفة تمامًا، أنا رجل تزوجت على زوجتي دون علمها، وأنجبت طفلة أسميتها «ليلى»، وها أنا أعيش أسوأ أيام حياتي، بعدما انكشف السر الذي أخفيته عنها سنوات!
أعرف ما قد يدور في رأسك الآن، ربما تلومني، وربما ترى أنني أستحق ما يحدث لي، وربما تتساءل كيف استطعت أن أفعل ذلك بامرأة تشاركني حياتي، لكن انتظر قليلًا، فهناك تفصيلة واحدة لم أخبرك بها بعد، كل ما سبق لم يحدث في الحقيقة، لقد حدث في حلم رأته زوجتي!
استيقظت زوجتي من نومها، وقد رأت أنني تزوجت عليها وأنجبت طفلة اسمها ليلى، أما أنا، فوجدت نفسي أمام حكاية لم أعشها، وواقعة لم أرتكبها، وطفلة لا أعرف عنها شيئًا سوى اسمها الذي صار بطلًا في أزمة لم أتخيل يومًا أن أكون طرفًا فيها.
لم أتزوج سرًا، ولم أنجب ليلى، ولم أخن زوجتي، لكنني وجدت نفسي أعيش تبعات كل ذلك، وكأنني مطالب بالدفاع عن نفسي أمام محكمة لم تقع أحداث جريمتها إلا في المنام.
وهنا بدأت أسأل نفسي: كيف يمكن لحلم أن يفعل بنا كل هذا؟ كيف يستطيع مشهد صنعه عقل نائم أن يترك في قلب إنسان كل هذا الغضب، وأن ينعكس على علاقة قائمة في الواقع، وأن يجعل شخصًا يدفع ثمن شيء لم يفعله؟
كلما فكرت في الأمر، أدركت أن الأحلام أكثر تعقيدًا مما نتصور، فعندما ننام لا تتوقف أدمغتنا عن العمل، تتداخل الذكريات والمشاعر والخبرات اليومية، وقد يعيد العقل تركيبها في مشاهد غريبة، أو يصنع منها قصصًا تبدو شديدة الواقعية، حتى إننًا نستيقظ أحيانًا ونحن لا نزال تحت تأثيرها.
وتشير أبحاث علم النوم إلى وجود صلة بين الأحلام والذاكرة والانفعالات، لكن العلماء لم يتوصلوا إلى تفسير نهائي لوظيفة الأحلام، والأهم أن الحلم، مهما بدا واضحًا أو مؤثرًا، ليس دليلًا على وقوع حدث، ولا برهانًا على نية شخص، ولا وسيلة علمية موثوقة للتنبؤ بالمستقبل، لكن المشكلة أن معرفتنا بهذه الحقيقة لا تمنعنا دائمًا من التأثر بما نراه.
قد أستيقظ من حلم مزعجًا وأنا أشعر بالخوف، أو أرى في منامي شخصًا فقدته فأشتاق إليه كما لو أنني التقيته منذ لحظات، أو أعيش مشهدًا مؤلمًا فأحمل حزنه معي إلى ساعات النهار، الحلم ينتهي، لكن المشاعر قد تحتاج إلى وقت حتى تهدأ.
وهذا ما يجعلني أميز بين أمرين، أن أتفهم شعور زوجتي بعد حلم أزعجها، وأن أقبل في الوقت نفسه أن أُحاسب على أحداث لم تقع، فمشاعرها قد تكون حقيقية، وخوفها قد يكون صادقًا، لكن ذلك لا يحول الحلم إلى واقعة، فليس كل ما نشعر به حقيقة، وليس كل ما نخشاه دليلًا على أنه سيحدث.
والغريب أنني اكتشفت أنني لا أحتاج إلى النوم كي أقع في الفخ نفسه، كم مرة تخيلت أسوأ الاحتمالات، ثم عشت حزنها قبل أن تقع؟ كم مرة أسأت فهم كلمة، أو فسرت صمتًا على غير معناه، أو بنيت في رأسي قصة كاملة عن موقف لم أعرف حقيقته؟ وكم مرة تعاملت مع مخاوفي كما لو أنها حقائق مؤكدة؟
أفعل ذلك أحيانًا، ويفعله كثيرون، نصنع في عقولنا سيناريوهات لا نعرف إن كانت ستحدث، ثم نمنحها من مشاعرنا ما يكفي لأن تتحول إلى أعباء حقيقية في حياتنا، وربما تكون هذه هي الحكاية الأعمق وراء «أنا وليلى»، ليست حكاية حلم عن زواج وطفلة فحسب، إنما حكاية عن قدرة الخيال على التأثير في الواقع، حين ننسى الفارق بين ما رأيناه وما حدث، وبين ما نخافه وما نملك دليلًا عليه.
لا أريد أن ألوم زوجتي على حلم لم تختر تفاصيله، ولا أن أستهين بما قد يتركه في نفسها من انزعاج، لكنني أريد أن نتعلم معًا أن نمنح الحقيقة فرصة قبل أن نصدر الأحكام، وأن نتحدث عن مخاوفنا من دون أن نحولها إلى اتهامات، وأن نتذكر أن الإنسان لا ينبغي أن يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها، حتى لو رأيناها بكل تفاصيلها في المنام.
فأنا لم أختر أن أكون زوجًا متهمًا في حلم، ولم أختر أن تصبح ليلى، التي لم تولد أصلًا، طرفًا في حكاية لم تحدث، لكنني أستطيع أن أختار كيف أتعامل مع ما حدث بعد الاستيقاظ، وكيف أساعد على إعادة الأمور إلى حجمها الحقيقي.
وفي النهاية، قررت أن أتعامل مع الأمر بهدوء، وأن أترك لزوجتي حقها في الحلم، وأحتفظ لنفسي بحق الدفاع عن نفسي في الواقع، لكنني، بصراحة، أصبحت أشعر بالقلق من فكرة أن تحلم زوجتي مرة أخرى!
فماذا لو رأت أنني تزوجت ثانية، وأنجبت ولدا هذه المرة؟ وماذا لو قررت أن تسميه كاظم، على اسم القيصر، لتكتمل الحكاية؟
أظن أنني سأضطر وقتها إلى الاستيقاظ قبلها، وأطلب منها أن تمنحني فرصة لاختيار اسم الطفل على الأقل! أما ليلى، فأرجو أن تظل في المنام، وألا تطلب يومًا نصيبها في الميراث! فأنا بالكاد أستطيع تدبير أمور البيت في الواقع، ولا ينقصني أن أتحمل مسؤولية أسرة كاملة في الأحلام!



