مخاض العالم المترنح: من سطوة “الكابوي” الأحادية إلى زلزال “وعد الآخرة”

بقلم المهندس: محمد عبد اللطيف هارون

​تُعد اللحظة التاريخية الراهنة، التي بلغت فيها المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ذروتها باستهداف مصادر الطاقة والمراكز الحيوية، بمثابة الزلزال الذي يضرب أساسات النظام الدولي الذي تشكل عام 1945؛ فنحن لا نتحدث اليوم عن مجرد جولة قصف عابر، بل عن “مخاض جيوسياسي” عنيف يعيد تكرار سيناريوهات سقوط الإمبراطوريات الكبرى التي دونها التاريخ. هذا الواقع الملبد بغيوم الدخان المتصاعد من المنشآت العسكرية والمدنية والجامعات، يضع البشرية أمام تحول مفصلي يقلب الوعي البشري رأساً على عقب، حيث انتقل العالم من حالة الأمان النسبي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إلى حالة من “اللا أمان” المطلق.
​ويظهر هذا الانهيار جلياً في لغة الأرقام التي لا تكذب؛ فبينما يترنح الاقتصاد العالمي تحت وطأة ديون أمريكية تجاوزت 34 تريليون دولار، نجد أن تكلفة الدفاعات الجوية لمواجهة ليلة واحدة من المسيرات والصواريخ قد تخطت 1.5 مليار دولار، مما يثبت أن التكنولوجيا الرخيصة بدأت تهزم التكنولوجيا الباهظة، وتضع “شرطي العالم” في مأزق انتحاري طويل الأمد. هذا النزيف المادي يتزامن مع تهديد مباشر لـ 20% من إمدادات النفط العالمية المارة عبر مضيق هرمز، مما ينذر بقفزة لأسعار البرميل تتجاوز 150 دولاراً، وهو ما سيؤدي حتماً إلى انهيار اقتصادات كبرى في أوروبا وآسيا، لتكتمل صورة الفوضى التي بدأت ملامحها تتشكل منذ حروب أفغانستان والعراق وصولاً إلى غزة ولبنان.
​إن هذا المشهد القاتم يعيد للأذهان دروس التاريخ الكبرى؛ فكما ولدت “الدولة القومية” من رحم حرب الثلاثين عاماً عام 1648، وسقطت الإمبراطوريات الأربع بعد الحرب العالمية الأولى، يشهد العالم اليوم نهاية “أسطورة القوة المطلقة”. ففشل القواعد الأمريكية في توفير الأمن، وتحولها إلى أهداف مكشوفة تحت شظايا المسيرات، يشبه تماماً انهيار “خط ماجينو” الفرنسي أمام التكتيكات النازية، حيث تبخرت أوهام الحماية الثابتة أمام واقع الحرب الهجينة والسيبرانية. هذه الصيرورة التاريخية تدفع العالم الآن نحو مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تسارع أقطاب الشرق الكبرى، ممثلة في الصين وروسيا، لضم أوروبا المتململة والرافضة للسياسات الأمريكية “العبثية” في حلف سياسي وعسكري يلجم “الثور الأمريكي” الجامح، أو أن يواجه العالم قدراً مفزعاً من الفوضى الشاملة.
​وفي ظل هذا “الانحطاط الإمبراطوري” الذي يمثله تحالف (نتنياهو – ترمب) وغياب الفكرة البشرية الجمعية التي تحمي الاستقرار، يبدو أن القوة الأحادية قد فقدت رؤيتها الفلسفية للبقاء، لتعود بالعالم إلى حالة “الفوضى العارمة” التي تلي زوال الكتل الحاكمة. وما يثير القلق العميق في هذا الصدد هو انعدام أثر الفكر الجمعي أو حراك النخب الثقافية والجامعية أمام هذا الإعصار، مما يترك الساحة لمزاجيات سياسية طائشة تقود البشرية نحو المجهول.
​وعليه، فإن انسداد الأفق السياسي والعقلي يفتح الباب واسعاً أمام التفسيرات الوجودية والروحية؛ فإذا كان عصر الأنبياء قد خُتم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن البشرية اليوم بانتظار “وعد الآخرة” الذي يستنهض الإيمان في مواجهة الطغيان. إنها المرحلة التي تسبق استعادة العالم لعقله وأمانه، سواء عبر تحالفات دولية تفرض توازناً جديداً يُنهي حقبة “كابوي القرن العشرين”، أو عبر تحول كوني رباني يرث الأرض ومن عليها، ليعيد الحق إلى نصابه بعد أن بلغت القلوب الحناجر وتلاشت أوهام الحماية الزائفة تحت وقع الصواريخ التي فضحت زيف القوة المطلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى