معركة الحرس الرئاسي .. تفاصيل التفاصيل بين يدي الفداء المطلق

قتالٌ بالأيدي وبالسونكي وإشتباكات من المسافة صفر
لغز المسيرة التي كانت تحلق فوق بيت الضيافة.. وإخلاء “الماجدات”
حكاية ممر الموت.. ورحلة الـ 300 متر التي عبرت بسلام
توثيق/ الشاذلي حامد المادح
لم تكن صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023م الموافق للرابع والعشرين من رمضان المعظّم، مجرد بداية لحرب، بل كانت محاولة لمحو وجود الدولة السودانية من خارطة الجغرافية السياسية للأبد.. في تلك الساعة لم يكن الرهان على السيطرة بل على “الإجتثاث”، حيث صُممت “خطة الساعة الواحدة” لتكون ضربةً قاصمة تقطع رأس الهرم العسكري والسياسي في مخدعه بـ “بيت الضيافة”.
لو إنكسرت تلك الفئة القليلة من الحرس الرئاسي في تلك اللحظات الحرجة من عمر الزمان لما أستيقظ السودان الذي نعرفه أبداً، ولما بقي لنا وطنٌ يجمع شتاتنا.. ففي تلك الأمتار الفاصلة بين البقاء والعدم، كان التاريخ يحبس أنفاسه خوفاً من ولادة “سودانٍ غريب” يُقام على أنقاض سودان العزة و الكرامة، تُحكمه عصاباتٌ لا تعرف ديناً ولا ذمة ولكان البديل هو دخول البلاد في نفقٍ من الذل والهوان لا خروج منه، حيث تُنتهك الأعراض جهاراً، ويُساق الأحرار إلى مصائر مجهولة وتتحول فيه مدننا العريقة إلى إقطاعيات ممزقة يتنازعها قطاع طرق وجهلة لا يعرفون دينا و لا عهدا.. كانت الهزيمة حينها تعني الشتات الأبدي للسودانيين في بقاع الأرض، وضياع الهوية الوطنية تحت حملات قذرة عابرة للحدود ، ولأصبحنا شعباً يبحث عن وطنٍ في ذاكرة الكتب بعد أن هدم الجنجويد أعمدة بيته الكبير و مجده التليد.
حممُ الحديد.. ترسانةُ الغدر والكثافة النارية
لم يكن الهجوم على بيت الضيافة إستكمالا لحرب بدأت شرارتها في موقع أخر ، بل كان هو الحرب كلها ، حيث يوجد القائد و على بعد أمتار منه توجد القيادة حيث السيادة و السلطة و الصولجان و لأجل ذلك أطلقوا الحمم و البراكين من النيران .. أكثر من ألفي عنصر من المليشيا ، تقلهم ستمائة تاتشر مجهزة بكامل تسليحها تحيط بالقيادة العامة و بيت الضيافة في دائرة جهنمية .. إنهمرت قذائف المدافع الرباعية و الثنائية المضادة للطيران و التي وُجّهت أفقياً لتحصد الأرواح و تهدم الجدران . و توزع مئات القناصة كالأشباح على قمم الأبراج المحيطة (برج الإتصالات ، فندق السلام و البنايات العالية قيد الإنشاء) ، محولين كل ممرٍ مكشوف داخل بيت الضيافة و القيادة إلى فخٍ للموت المحقق و ترافق مع ذلك تعطيل متعمد لأجهزة الإتصال اللاسلكي عبر تقنيات تشويش متطورة كانت بمعية المليشيا المهاجمة و هي تقتحم بيت الرئيس في خطة أطلقوا عليها (خطة الساعة الواحدة) .
إجتياحُ الأسوار.. و رقصة اللودر
وسط هذا الجحيم، برز من خلف الغبار “لودر” ضخم ، كان يتحرك كوحش أسطوري مكلّف بتحطيم قدسية المكان.. لم يهدم السور الجنوبي فحسب، بل كانت الخطة تهدف لإستخدامه كـ “جرافة هدم” لأركان المنزل مباشرة فوق رؤوس من فيه، لكنّ يقظة فرسان الحرس الرئاسي جعلت من ذلك اللودر نعشاً لسائقه، حيث إصطاده قناص من الحرس من إحدى الشرفات، ليتوقف الوحش الحديدي في باحة الدار، شاهداً على إنكسار خطة الهدم الكامل للمبنى.
الصمود الإسطوري برفقة الرئيس
داخل تلك الجدران، كان ستمائة جندي وضابط برفقة الرئيس يدافعون عن وطن يدركون أنهم أخر حلقاته.. هؤلاء الأبطال، الذين جفّت حلوقهم من الصيام، وقد باغتهم العدو بترسانة ثقيلة تتجاوز كل تقديرات العلم العسكري لمعركة كهذه.. تحولت غرف بيت الضيافة وممراته الخلفية إلى مسارح لملاحم إغريقية ومشاهد سينمائية قد يصعب تخيلها.. قتالٌ بالأيدي وبالسونكي وإشتباكات من المسافة صفر و عراك وقنص ودخان وغبار يملأ المكان وفي وسط كل ذلك جاءت مشكلة الزي المتشابه والقتال تميزه المعرفة الشخصية وسريعا إنتشرت عُصابات (بضم العين) على جباه عناصر الحرس الرئاسي فإنتفضوا كأشرس ما يكون الفارس المقاتل في القتال وإنضمت إليهم عناصر “السكرتارية العسكرية” لما رأوا القتال يشتد والرئيس يقنص الواحد بعد الواحد من العدو ويباشر مهام قائد المعركة في ثبات و جلد..
و في قلب هذا السعير، كان الضابط الطبي المرافق يفعل المستحيل امام كثافة الحالات التي بين يديه و هو في قلب المعركة يجري عمليات البتر العاجلة فوق الركام و تحت أزيز الرصاص لإبقاء النازفين على قيد الحياة داخل ممرات البيت حتى تنجلي المعركة و يتم إخلائهم.
ممر الموت.. ورحلة الـ 300 متر
كانت لحظة الحقيقة تقتضي نقل القائد العام من داخل المعركة في الغرف والممرات إلى غرفة العمليات في مبنى الأركان المشتركة.. المسافة التي يجب أن يقطعها القائد، سالما ليسلم الوطن كله، لا تتجاوز الثلاثمائة مترا، وهي تعج بشظايا الزجاج وإنهيارات المباني، مما أضطر الطاقم لإستخدام ممرات الخدمة الضيقة وخلفيات المباني لتفادي قناصة الأبراج المحيطة.. يتقدم القائد في تلك الممرات المكشوفة ويحيط به طوقٌ من “قوات العمل الخاص” وسكرتاريته، فأرتقى منهم شهداء كان يمكن أن يرتقي هو لو لا لطف الله بهذا الشعب الطيب الصابر المحتسب.. ويعبر القائد تلك المسافة المميتة ويصل إلى غرفة العمليات وسط التكبير والتهليل وقد كانت تلك بشارة النصر الأولى.. أن الرئيس حي يرزق وحرا من قيد الأسر الذي نُصب له.
خزائن الأسرار.. معركة الحقيبة السيادية
بالتزامن مع رحلة العبور تحت النيران، كانت هنالك معركة صامتة تدور رحاها داخل أروقة المكتب الخاص، حيث تولت مجموعة صغيرة وفدائية مهمة تأمين “الحقيبة السيادية” والمستندات السرية للغاية.. وتحت وطأة الحريق و إقتراب المهاجمين من غرف السكن ومكتب الرئيس ببيت الضيافة، نفذ هؤلاء الجنود خطة طوارئ دقيقة لنقل ما يمكن حمله وحرق ما يخشى وقوعه في يد العدو، حتى لا تسقط أسرار الدولة السودانية في أيدي المليشيا ولو سقطت الجدران كلها.. فلتبقى الأسرار عند خزنتها المؤتَمنون .. الحمد لله، و قد كان.
لغز المسيرة.. وإخلاء “الماجدات”
وسط هذا التشابك المعقد، برز “لغز الطائرة المسيرة” التي كانت تحلق فوق “بيت الضيافة” بدقة مريبة، لترصد التحركات وتوجه نيران المدفعية والمليشيا نحو نقاط الضعف، و هي المسيرة التي تعامل معها الحرس بيقظة لتعطيل فاعليتها . و في غمرة ذلك كله ، تجلت أخلاق الجيش السوداني في أبهى صورها ، حيث كان هناك إهتمام فائق بأدق التفاصيل المتعلقة بـ “إخلاء العنصر النسائي” من داخل المقر . فقد وضع القائد العام شرطاً حازماً : “لا خروج لي إلا بعد تأمين خروجهن أولاً ، و صد الهجوم ثانيا” ، و بالفعل نُفذت عملية إجلاء بطولية للمواطنات و الموظفات (الماجدات) تحت غطاء ناري كثيف ، ليعطي البرهان درساً في أن حماية العرض تسبق حماية الروح ، و أن القائد هو آخر من يغادر أرض المعركة .
*شهداء بيت الضيافة .. و الوداع الصامت*
تعتبر قصة دفن الشهداء الـ 35 (أقمار بيت الضيافة) واحدة من أكثر فصول تلك الملحمة إيلاماً ، إذ إستحال تماماً خروج الجثامين إلى المقابر العامة بسبب كثافة القصف . و في مشهدٍ يجسد الكرامة العسكرية ، إضطر رفاقهم لحفر “مقبرة جماعية مؤقتة” داخل حرم القيادة العامة ، في المساحات الخضراء القريبة من مباني هيئة الأركان . وارى الأبطال رفاقهم الثرى بملابسهم العسكرية ، لتتحول تلك المساحة اليوم إلى “روضة للشهداء” تضم رفات من منعوا سقوط الدولة و حفظوا الأمة .
ختاما .. لم تكن معركة الحرس الرئاسي مجرد إشتباك لتأمين موقع ، بل كانت الإختبار الوجودي لصمود الدولة السودانية . إن ظهور البرهان بسلاحه الشخصي من قلب القيادة العامة لم يكن رسالة عسكرية فحسب ، بل كان إعلاناً سياسياً بانتهاء حقبة “المغامرة” و بدء معركة البقاء . لقد تحطمت عند أسوار تلك الغرفة أحلام الإنقلاب الخاطف ، وبقيت تلك الساعات الفاصلة هي الحد الذي فصل بين بقاء الكيان الوطني و بين الانزلاق نحو التيه الكبير .
بمناسبة ذكري تلك المعركة




