استشهاد معلم في ظروف الحرب يهزّ طلابه.. ورسالة كفيف تتحول إلى شهادة وفاء مؤثرة

متابعات _ العودة

تداولت أوساط طلابية وتعليمية رسالة إنسانية مؤثرة كتبها طالب كفيف إلى معلمه الراحل “لقمان سعيد”، الذي توفي في ظروف مأساوية خلال الحرب، وفق ما أفادت به مصادر تربوية محلية.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المعلم الراحل كان من الكوادر التعليمية التي واصلت عملها خلال فترة الحرب، وحرص على استمرار العملية التعليمية رغم توقف الدراسة في عدد من المناطق، قبل أن ينتهي به المطاف داخل معتقلات تابعة لقوات الدعم السريع، حيث فارق الحياة في ظروف وُصفت بالمأساوية.

وأثارت وفاة المعلم موجة حزن واسعة في الأوساط التعليمية، خاصة بين طلابه الذين اعتبروه رمزاً للتضحية والتمسك برسالة التعليم في أصعب الظروف.

وفي هذا السياق، كتب أحد طلابه رسالة مطوّلة استعاد فيها مواقف المعلم الراحل ودوره في تغيير مسار حياته وتشجيعه على الالتحاق بالمدرسة، لتتحول الرسالة إلى شهادة وجدانية على أثر المعلم في حياة طلابه، وعلى حجم الفقد الذي خلّفه رحيله.

 

وفيما يلي نص الرسالة كما ورد:

من ابنك عبدالله عثمان

رسالة مؤثرة من طالب كفيف لاستاذه الشهيد

_لحظة ما أردتُ أن أكتب عنك، توقّفت يداي على شاشة الهاتف، وارتجفت أصابعي فوق الأزرار، وضاعت الحروف مني كأنها لم تكن. لم أستطع أن أكتب كلمة واحدة، ولم أعرف كيف أبدأ، ولم أجد عبارةً تليق بجلال الرحيل. وقفتُ حائرًا أمام ضوء الشاشة، فكيف يرثي التلميذ من علّمه كيف يفهم الحياة؟ كيف يبكي الطالب من كان له والدًا قبل أن يكون معلّمًا؟ كيف أسطّر رسالةً عن رجلٍ كان هو السبب في أني أستطيع أن أسطّر الآن؟_

 

إلى روح معلّمي ومربي الأجيال _الأستاذ لقمان سعيد_، الذي كان سببًا بعد الله سبحانه وتعالى في التحاقي بالمدرسة.

 

يا أستاذي، _ما زال صوتك في أذني كنبض القلب لا يسكت، وكصوت الحق إذا نادى لا يُردّ_. كنت دائمًا تريدني أن ألتحق بالمدرسة، وتريدني أن آتي إلى المدرسة، وكلما لقيتني قلتَ لي بمحبة صادقة: _”يا عبدالله، تعال إلى المدرسة، وتعال ادرس في المدرسة، فإن مكانك بين الطلاب لا في الطرقات”_. وكنت تلقانا في المسجد، أنا وأبي، فتأخذ بيدي وتشدّ عليها وتقول لي: _”تعال إلى المدرسة، تعال التحق بالمدرسة”_. ثم تلتفت إلى أبي وتقول له بكلمات ثابتة: _”دع عبدالله يأتي ويلتحق بالمدرسة”_.

 

فكانت كلماتك نورًا أخرجني من الظلام، وكانت _يدك البيضاء طوق نجاة_ انتشلني من الضياع. فذهبت إلى المدرسة والتحقت بالمدرسة، ومنذ أول يوم أصبحت لي أبًا وسندًا وعونًا. كنت تدعمني وتقف معي، ولم تقصّر معي أبدًا أبدًا. كنت تفرح بنجاحي فرح الوالد بولده، وتحزن لتعثّري كأنك أنت الذي تعثّرت. كنت تريدني أن أكون من الناجحين والمتفوقين، وكل يوم كنت تزرع في داخلي طموحًا، وترويه بحكمتك حتى كبُر. ما سمعت منك إلا الكلام الطيب، وما رأيت منك إلا الخير، وقلبك كان أوسع من الدنيا.

 

_ثم جاءت الحرب_

 

في الوقت الذي كان الناس فيه يهربون من الموت، كنت أنت تتقدّم نحوه. حين أُغلقت المدارس، وانطفأ النور، وغاب الأمان، كان همّك الوحيد ألا ينطفئ نور العلم. كنت لا تريد التعليم أن يتوقف، فقمت بفتح المدرسة أثناء الحرب. فتحتها والموت من حولك، وبدأت بالتّدريس والسبورة تهتز من أصوات القذائف. كنت تقف وتقول: _”يا أبنائي، إن سكت صوت العلم، علا صوت الجهل، ونحن لا نسكت”_. فأصبحت أنت المدرسة حين غابت المدارس، وأصبحت الوطن حين ضاع الوطن.

 

وقبل أن تمتدّ إليك يد الظلم بأيام، كان قلبك متعلّقًا بأبنائك طلاب الشهادة السودانية _دفعة 2023 “دفعة التحدي”_. كنت تريد أن تخرج معهم، كنت تنوي أن ترافقهم وتوصلهم بنفسك إلى مناطق الامتحانات، وتقف عند باب القاعة حتى يدخلوا. كنت تقول: _”هؤلاء أبنائي، ولن أتركهم يواجهون الخوف وحدهم”_.

 

_ولكنّ أيادي الغدر لم تمهلك_. فامتدّت إليك ميليشيات الدعم السريع، واعتقلتك من بين طلابك ظلمًا وعدوانًا، لأنهم يخافون من رجل سلاحه الكلمة، ورسالته الحياة. أخذوك إلى معتقلاتهم المظلمة، وهناك، في غياهب السجن والقهر، توفيت يا أستاذي مظلومًا، صابرًا، محتسبًا، معلّمًا حتى النفس الأخير. _نحسبك شهيدًا والله حسيبك_.

 

_فيا معلّمي، اسمعني الآن_

 

أنا عبدالله، الذي كنت تناديه في ساحة المسجد. _وها أنا قد جلست لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام، وستظل ذكراك باقية ما حييت، ولن أنساك أبدًا أبدًا، وسأظل أذكرك دائمًا بالخير_.

 

_اللهم يا واسع المغفرة، يا كريم العطاء_

_اللهم ارحم أستاذي ومربيّ لقمان سعيد_ رحمةً تُنير قبره، وتؤنس وحشته، وتجعله في الفردوس الأعلى. اللهم اجزه عني وعن كل طالب علّمه خير الجزاء، واجعل كل حرفٍ علّمنا إياه صدقةً جارية في ميزانه. اللهم إنه كان لنا أبًا ومعلمًا ونورًا، اللهم فأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجمعنا به في جنات النعيم.

اللهم إنه مات مظلومًا في معتقلات الدعم السريع، اللهم فتقبّله عندك في الصالحين، وارفعه في عليين، وأظلّه تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلّك.

اللهم عليك بمن ظلمه، اللهم عليك بميليشيات الدعم السريع، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، واجعلهم عبرةً لمن يعتبر، فإنهم لا يعجزونك.

 

_إنا لله وإنا إليه راجعون_

_قتلوا الجسد، فنهضت الفكرة.. أسروا المعلّم، فبقي الدرس حرًّا.. دفنوا لقمان، فسيخرج ألف لقمان من صدور طلابه_

 

نم مطمئنًا يا أستاذي، فوعدك أمانة، وذكرك باقٍ، ورسالتك مستمرة ما دام في الدنيا علم وكلمة.

_والسلام على روحك يوم وُلدت، ويوم علّمت، ويوم استُشهدت، ويوم تُبعث معلّمًا مع الأنبياء_

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى