أكاديميون في ندوة فكرية: تغليب “الثقافة العالمة” على “الشفاهية” هو المخرج الحقيقي لأزمات السودان

أكدت ورقة علمية حديثة قدمها الأستاذ الدكتور عبدالوهاب أحمد عبدالرحمن، تحت عنوان “الثقافة العالمة بوصفها مدخلاً للوحدة والسلام والتنمية في السودان”، أن الانتقال نحو ثقافة تقوم على الوعي، والمعرفة، والتفكير النقدي، هو المدخل الحقيقي لإعادة بناء الإنسان السوداني والدولة الحديثة.
وأوضحت الورقة، التي طُرحت في ندوة فكرية حظيت باهتمام أكاديمي واسع، أن “الثقافة العالمة” ليست حكراً على النخب، بل هي نتاج تكاملي للمؤسسات التعليمية والبحثية والثقافية، وتنتشر عبر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة. وحذرت الورقة من أن هيمنة “الثقافة الشفاهية” في السودان أسهمت تاريخياً في ترسيخ القبلية، والجهوية، والطائفية، مما أضعف دولة القانون وأدى إلى تعثر مشروع التنمية وبروز النزاعات المستمرة.
ركائز التحول ونحو “الهوية الجامعة”
وشددت الورقة على أن العبور بالبلاد إلى مربع الاستقرار يتطلب حزمة من الإجراءات الاستراتيجية، أبرزها:
* تعزيز قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
* تحويل التنوع الثقافي السوداني الثري من مصدر للنزاع إلى منبع للوحدة الوطنية.
* بناء مؤسسات وطنية قوية وترسيخ هوية سودانية جامعة مرنة (Sudanism).
* تأسيس تنمية مستدامة قائمة على العلم والمعرفة، باعتبار أن الثقافة العالمة “ليست ترفاً فكرياً” بل أساس حضاري لبناء الدولة.
💬 رؤية نقدية وتكاملية: ما وراء الأزمة
وفي تعقيبٍ أثري النقاش، أشاد الأستاذ الدكتور أحمد إبراهيم أبو شوك (أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قطر) بالقيمة الفكرية للورقة ومحوريتها في تشخيص الأزمة. ومع ذلك، قدم أبو شوك رؤية تكاملية أشار فيها إلى أن “ثقافة الشفاهة” ليست المتهم الوحيد في الأزمة السودانية، بل تتداخل معها عوامل بنيوية وتاريخية معقدة تشمل:
* الإرث الاستعماري واختلالات التنمية بين المركز والأقاليم.
* الصراع المستمر على السلطة والموارد.
* التدخلات الخارجية المحيطة بالبلاد.
خارطة طريق عملية لتطبيق “المشروع”
ودعا الدكتور أبو شوك إلى تحويل هذه الرؤية الفكرية إلى مشروع عملي على الأرض من خلال:
* إصلاح شامل للمناهج التعليمية لتواكب مفاهيم الوعي والتفكير النقدي.
* تفعيل دور الإعلام في محاربة خطاب الكراهية، وتعميق احترام التنوع، ونشر ثقافة القراءة عبر التوسع في إنشاء المكتبات العامة.
* سن تشريعات قانونية حاسمة تنظم إدارة التنوع الثقافي، مستشهداً بجدوى التجربة الماليزية في هذا الصدد.
وقد شهدت الندوة مداخلات واسعة ونقاشات مستفيضة من الأكاديميين والمثقفين المشاركين، الذين أجمعوا في ختامها على أن الاستثمار الحقيقي للسودان في مرحلته المقبلة يجب أن يرتكز على المعرفة والثقافة كحجر زاوية للسلام والتنمية المستدامة.



