السودان وعدالة الموازين المختلة

بقلم/ محمد فؤاد عيد
حين تصبح الهوية السياسية جريمة والجريمة وجهة نظر
من حجز أموال أحمد البلال إلى عقوبات قادة الدعم السريع
من يقرر في السودان من يستحق العقاب ومن يستحق الغفران ؟
تختلط الأوراق في السودان حتى يكاد المرء يفقد القدرة على التمييز بين العدالة والسياسة وبين المحاسبة والانتقام وبين القانون وتصفية الحسابات.
وفي بلد مزقته الحرب وأثخنته الانقسامات لم يعد السؤال فقط من بدأ الحرب ومن ينتصر فيها وإنما أصبح هناك سؤال ربما يكون أخطر على مستقبل الدولة نفسها:
بأي ميزان يحاسب السودانيون بعضهم بعضاً ؟
هل يحاسب الإنسان على ما ارتكب من فعل أم على الحزب الذي انتمى إليه ؟
هل تصادر الأموال لأن القضاء أثبت أنها جاءت بطريق غير مشروع أم لأن صاحبها وُصف بأنه كوز ؟
وهل يمكن لرجل أن يحمل تهمة سياسية عمرها سنوات فتظل تلاحقه وتصادر حقوقه بينما يستطيع آخر ارتبط اسمه بقوة عسكرية متهمة بفظائع وانتهاكات أن يعبر من خانة الاتهام إلى خانة القبول السياسي بمجرد أن يبدل موقعه أو يغير تحالفه ؟
إنها ليست دعوة لتبرئة فاسد وليست دفاعاً عن المؤتمر الوطني وليست محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل سقوط نظام عمر البشير.
إنها ببساطة دعوة لأن تكون للعدالة عينان مفتوحتان على الجميع بدلاً من أن تكون معصوبة العين تجاه فريق ومفتوحة بالكامل تجاه فريق آخر.
أحمد البلال الطيب.. نموذج للسؤال لا حكم بالبراءة :
خذوا مثلاً حالة الصحفي المعروف أحمد البلال الطيب مؤسس ورئيس مجلس ادارة شركة اليوم وناشر صحيفة «أخبار اليوم».
ارتبط اسم الرجل طوال سنوات طويلة بعهد الإنقاذ وقبلة بحكومات مختلفة توالت على حكم السودان حيث تعرض الرجل بعد سقوط النظام الانقاذى لحملة سياسية وإعلامية واسعة حمل بعضها اتهامات مباشرة بشأن علاقته بالنظام السابق بل تمت مصادر ثروته واملاكة ربما بالكامل .
لكن عند الحديث عن أمواله وممتلكاته ينبغي ضبط الواقعة تاريخياً وقانونياً وهذا ما تتبعتة
ففي التاسع من ديسمبر 2019 أوردت تقارير صحفية أن النيابة العامة السودانية أصدرت قراراً بحجز أموال وممتلكات أحمد البلال الطيب بشبهة الثراء الحرام والأموال المشبوهة.
وهنا توجد حقيقة مهمة كثيراً ما تضيع وسط الصراع السياسي:
قرار تشكيل لجنة إزالة التمكين صدر في العاشر من ديسمبر 2019 أي أن حجز ممتلكات أحمد البلال الذي تحدثت عنه المصادر جاء عبر النيابة المختصة وليس ـ وفق التسلسل المنشور ـ قراراً أصلياً من لجنة إزالة التمكين نفسها وهذه ليست ملاحظة شكلية.
بل إنها جوهر المشكلة.
فالفرق كبير بين الحجز على المال أثناء التحقيق وبين المصادرة النهائية للملكية وبين الإدانة القضائي والخلط بينها قد يكون سهلاً في الخطاب السياسي لكنه يصبح خطيراً عندما نتحدث عن حقوق الناس .
وأحمد البلال نفسه وصف وجوده خارج السودان في منشور له عام 2024 بأنه «منفى اختياري».
والسؤال هنا لا ينبغي أن يكون:
هل أحمد البلال كوز أم ليس كوزاً؟
ولا هل كان قريباً من الإنقاذ أم بعيداً عنها؟
السؤال الذي ينبغي أن تطرحه دولة القانون هو:
ما الأدلة ؟ هل انتهى التحقيق؟
هل قُدمت القضية إلى محكمة ؟ هل صدر حكم نهائي ؟
إن ثبت أن المال اكتسب بطريق غير مشروع فليسترد بالقانون حتى آخر جنيه. وإن عجزت الدولة عن إثبات ذلك فبأي حق يبقى الإنسان معلقاً بين الاتهام والبراءة لسنوات طويلة ؟
القضية أكبر من صحفي واحد :
لم يكن أحمد البلال الحالة الوحيدة في تلك الفترة فلجنة إزالة التمكين التي أنشئت عقب الثورة دخلت خلال عامي 2020 و2021 إلى ملفات ضخمة من الأراضي والشركات والمؤسسات والأصول المرتبطة بقيادات النظام السابق وأقارب الرئيس السابق عمر البشير وشخصيات نافذة في عهد الإنقاذ.
وفي أبريل 2021 قالت اللجنة إنها أعادت إلى الحكومة أصولاً قدرت قيمتها بنحو 1.4 مليار دولار بينما كانت في الوقت نفسه تواجه انتقادات من مفصولين ومتضررين شككوا في الإجراءات المتبعة بحقهم كذلك أعلنت اللجنة في مناسبات مختلفة استرداد عقارات وأراضٍ من شخصيات معروفة.
ومن بين الوقائع التي نشرت آنذاك استرداد أراضٍ زراعية مرتبطة بشركة قيل إنها مملوكة لعلي عثمان محمد طه وأرض منسوبة إلى زوجة الرئيس السابق وداد بابكر وأراضٍ مسجلة لأفراد من أسرتها فضلاً عن عقارات أخرى كما نشرت تقارير في يوليو 2020 أن اللجنة أعلنت مصادرة منزل كان يستخدمه نائب الرئيس السابق علي عثمان محمد طه واسترداد عقارات أخرى من مدير مكتبه.
وفي واقعة أخرى أعلنت اللجنة استرداد 153 عقاراً وقطعة أرض قالت إنها مرتبطة بثلاثة من قيادات النظام السابق . كما أكدت رويترز في مايو 2020 أن اللجنة استردت ممتلكات من أقارب للبشير ومن وزير دفاع سابق مقرب منه وحولت عدداً من الأراضي إلى وزارة المالية .
إذن القضية لم تكن صغيرة كما يتصور البعض .. لقد انتقلت أصول وأراضٍ وعقارات بمبالغ هائلة من أيدي أفراد وكيانات إلى الدولة وهنا تحديداً كان يجب أن يكون القانون أشد حضوراً من السياسة.
لجنة إزالة التمكين.. أين تقف اليوم ؟ :
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي ما زال يثير حيرة كثيرين:
هل لجنة إزالة التمكين عادت بالفعل ؟ وهل ما زالت قراراتها القديمة نافذة ؟ هل ما وضعتة فى خزائن مكاتبها ما زال يعتبر مفعلآ وتسير الدولة على خلاصاتة ؟
بعد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 جرى تجميد أعمال اللجنة ثم ألغت محكمة الاستئناف عدداً من قراراتها تباعاً. لكن نفاجئ في 17 مارس 2026 أعلن قياديون في اللجنة المجمدة استئناف نشاطها.
غير أن الأهم أن التقارير المنشورة وقتها أشارت إلى أن الحكومة السودانية لم تكن قد أعلنت رسمياً فك تجميد اللجنة حتى لحظة نشر ذلك الخبر.
وهذه نقطة لا يجوز المرور عليها بسرعة. فهناك فرق بين أن يقول أعضاء لجنة سابقة إنهم عادوا إلى العمل وبين أن يصدر قرار دولة واضح يعيد تشكيلها ويحدد اختصاصاتها وسلطاتها وآليات الاستئناف ضد قراراتها.
لأن الأموال ليست منشورات سياسية…والعقارات ليست بيانات حزبية…وحقوق الملكية لا ينبغي أن تتغير كلما تغير ميزان القوى في الخرطوم.
ولكن ماذا عن الجنجويد والدعم السريع ؟ :
هنا تأتي المفارقة الأكثر مرارة.
فالسوداني الذي يسمع أن رجلاً يمكن أن يبقى سنوات مطارداً بملف مالي أو سياسي لا بد أن يتساءل في المقابل عن ملفات الدم يا سادتى العالم نفسه لم يعد يتحدث عن حرب السودان باعتبارها مجرد خلاف سياسي بين جنرالين.
فالولايات المتحدة فرضت في يناير 2025 عقوبات على قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو وربطت القرار بقيادته للقوة التي قالت وزارة الخزانة الأميركية حينها إن عناصرها ارتكبوا جرائم حرب وفظائع شملت قتلاً بدوافع عرقية وعنفاً جنسياً وفرضت الولايات المتحدة قبل ذلك عقوبات على القوني حمدان دقلو باعتباره مسؤولاً عن مشتريات الدعم السريع وقالت إن نشاطه في شراء المعدات ساهم في استمرار العمليات العسكرية للقوة.
وفي يناير 2026 أضاف الاتحاد الأوروبي سبعة أفراد إلى قائمة العقوبات بينهم خمسة مرتبطون بالدعم السريع ومن بينهم القوني حمدان دقلو.
أما عبد الرحيم حمدان دقلو نائب قائد الدعم السريع فقد أصبح مدرجاً أيضاً ضمن العقوبات البريطانية والأممية التي تشمل تجميد الأصول وحظر السفر وتربطة بدوره القيادي وبالانتهاكات المرتبطة بالنزاع في دارفور.
وفي فبراير 2026 أضافت بريطانيا كذلك حزمة جديدة من العقوبات ضد ست شخصيات من طرفي الحرب قالت إنهم مشتبه في تورطهم في ارتكاب فظائع أو تغذية الحرب عبر السلاح والمقاتلين.
وهنا تبرز المفارقة التي تحتاج إلى إجابة سودانية لا أجنبية:
إذا كان المجتمع الدولي يستطيع أن يقول إن جرائم الحرب والانتهاكات تستحق تجميد الأصول وحظر السفر والملاحقة فكيف يمكن للدولة السودانية نفسها أن تسمح للتحالفات السياسية بأن تصبح ممحاة للذاكرة ؟
هل الانشقاق شهادة براءة؟
حقيقة الحرب السودانية صنعت ظاهرة أخرى تحتاج إلى وقفة.
مقاتل كان بالأمس ضمن قوة تحارب الجيش قد يعلن اليوم انشقاقه وينضم إلى الطرف الآخر.
سياسي كان بالأمس حليفاً لطرف يصبح اليوم خصمه.
وقائد كان يُقدم في إعلام معسكر باعتباره مجرماً قد يتحول بمجرد انتقاله إلى المعسكر الآخر إلى «قائد وطني».
…… وهنا للأسف تقع الكارثة.
فالانشقاق العسكري لا يمكن أن يكون شهادة حسن سير وسلوك جنائية ومن انضم إلى الجيش اليوم لا يمحو انضمامه ما قد يكون ارتكبه بالأمس كما أن معارضة الجيش أو حكومة بورتسودان لا تجعل الإنسان تلقائياً مجرماً لذلك ننادى ونكرر يجب الفصل بين السياسة والعدالة.
إذا كانت هناك أدلة ضد شخص ما بشأن قتل أو نهب أو اغتصاب أو تهجير أو الاستيلاء على ممتلكات المدنيين فيجب التحقيق معه مهما كان موقعه الجديد .
لا توجد في القانون جملة اسمها:
لقد انضم إلى صفنا ولذلك ننسى ماضيه مثلما لا ينبغي أن توجد جملة: إنه كوز ولذلك لا يحتاج الأمر إلى محكمة.
هل كلمة «كوز» أصبحت مادة في قانون العقوبات؟ :
وهذا سؤال آخر لعمرى قد يغضب البعض ولكنه ضروري.
الجميع يعلم انة وبعد سقوط البشير تحولت كلمة «كوز» من وصف سياسي إلى شيء قريب في أحيان كثيرة من تهمة اجتماعية جاهزة فيكفي أحياناً أن يوضع الشخص في هذه الخانة حتى يصبح الدفاع عن حقه القانوني ذاته سبباً لاتهام من يدافع عنه بأنه من أنصار النظام السابق.
وهذا هو الخطر والخطأ .
لأن العدالة لا تعرف «الكوز» ولا «القحّاتي» ولا «الجنجويدي» بوصفها جرائم قانونية مستقلة.
القانون يعرف القتل….يعرف السرقة…..يعرف الاختلاس…..يعرف الثراء غير المشروع…..يعرف التعذيب … يعرف جرائم الحرب…..ويعرف الاستيلاء على المال العام.
فإذا ارتكب «الكوز» أياً منها فليحاسب. وإذا ارتكبها من يرفع شعار الثورة فليحاسب. وإذا ارتكبها قائد في الجيش فليحاسب. وإذا ارتكبها قائد في الدعم السريع فليحاسب. وإذا ارتكبها مدني معارض للجيش فليحاسب.
هذه هي العدالة كما هو معروف أما اختيار المتهم بحسب الراية التي يحملها فذلك شيء آخر تماماً.
الثورة لا تحتاج ظلماً كي تنتصر:
المشكلة أن البعض يعتقد أن نقد تجربة لجنة إزالة التمكين يعني الدفاع عن نظام الإنقاذ وهذه مغالطة.
فيمكن للإنسان أن يؤيد تفكيك شبكات الفساد التي بنتها الإنقاذ على مدى ثلاثين عاماً وفي الوقت نفسه يرفض مصادرة ملكية إنسان دون إجراءات قضائية مكتملة.
بل إن الثورة التي قامت من أجل العدالة كان يفترض أن تكون أشد حرصاً على العدالة من النظام الذي ثارت عليه.
والدولة التي تريد استرداد أموال منهوبة يجب ألا تخشى القضاء.
فإذا كانت الأدلة قوية فلماذا لا توضع أمام قاض؟
وإذا كان المستند يثبت أن أرضاً أخذت دون حق فلماذا لا يصدر حكم باستردادها؟
وإذا ثبت أن شركة بنيت من مال الدولة فلماذا لا يحاكم أصحابها ثم تعاد للشعب؟
أما أن تختلط اللجنة السياسية بالنيابة بالمحكمة بالخصومة الحزبية فإن حتى القرار الصحيح قد يصبح محل شك بسبب الطريقة التي صدر بها.
وما مصير الأموال المستردة؟
ثم هناك السؤال الذي قلما يطرح:
أين ذهبت الأموال والأصول التي قالت لجنة إزالة التمكين إنها استردتها ؟ فحين تقول لجنة رسمية إنها أعادت أصولاً بمليارات الدولارات إلى الدولة يصبح من حق المواطن أن يعرف مصيرها.
ما العقارات التي استردت ؟ ما هى الشركات ؟و من يديرها الآن ؟ كم كانت إيراداتها؟ ما الذي بيع منها؟ ما الذي أعيد لأصحابه بأحكام قضائية ؟ وما الذي ما يزال تحت يد وزارة المالية؟
إن مكافحة الفساد نفسها يجب أن تكون شفافة.
وإلا أصبح السوداني يتابع مؤتمراً صحفياً يسمع فيه عن استرداد عشرات العقارات ثم لا يعرف بعد سنوات أين انتهت تلك العقارات. وأين ذهبت تلك الأموال.
العدالة التي تنتقي ضحاياها ليست عدالة :
المسألة إذاً تتجاوز أحمد البلال أو علي عثمان أو أسرة البشير أو حميدتي أو عبد الرحيم دقلو.
المسألة هي تأسيس قاعدة للدولة السودانية القادمة.
فإذا بنينا السودان بعد الحرب على قاعدة أن المنتصر هو الذي يحدد المجرم فسوف ندخل حرباً جديدة حتى لو توقفت البنادق.
كل سلطة ستفتح ملفات سابقتها.
وكل ثورة ستصادر أموال الثورة السابقة. وكل انقلاب سيعتقل الذين سبقوه. وكل تحالف سياسي سيمنح شهادة براءة لحلفائه ويصدر شهادة إدانة لخصومه.
وعندها لن تكون لدينا دولة.
ستكون لدينا فقط دورات متعاقبة من الانتقام.
لا حصانة للجيش ولا للدعم السريع ولا للإسلاميين ولا للمدنيين :
الحل ليس أن نعيد ممتلكات الجميع دون مراجعة. وليس أن نطلق سراح كل متهم. وليس أن نمحو جرائم الإنقاذ تحت شعار المصالحة. وليس كذلك أن نساوي بين كل الأطراف في المسؤولية دون أدلة. الحل أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
ملف لكل متهم.. بينة لكل اتهام.. محكمة لكل جريمة.. حق دفاع لكل إنسان.. وحق استئناف لكل قرار.
ومن تثبت عليه الجريمة يدفع ثمنها أياً كان اسمه.
وإذا أثبت القضاء أن عقارات شخص ما بنيت بمال الشعب فلتعد إلى الشعب. وإذا أثبت أن الاتهام كان سياسياً فلتعد العقارات إلى صاحبها مع رد اعتباره.
وإذا ثبت أن قائداً عسكرياً تورط في جرائم ضد المدنيين فلا ينبغي أن تحميه رتبة ولا قبيلة ولا تحالف ولا انشقاق متأخر.
والسؤال إلى حكومة البرهان أيضاً :
إذا كانت حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تقول إنها تمثل الدولة السودانية وتحارب من أجل استعادة مؤسسات الدولة فعليها أن تقدم نموذج الدولة لا نموذج المعسكر. عليها أن تجيب بوضوح:
ما الوضع القانوني الحالي للأموال والممتلكات التي حجزت أو استردت بعد 2019؟
أي القرارات ألغتها المحاكم؟ أيها لا يزال نافذاً؟ هل أعيدت أصول إلى أصحابها؟
هل توجد لجنة إزالة تمكين قانونية تعمل اليوم بقرار رسمي أم أن الموجود إعلان سياسي من أعضائها السابقين؟
ومن هي الجهة صاحبة الاختصاص الآن في مراجعة تلك الملفات؟
هذه ليست أسئلة كيزان.
إنها أسئلة دولة.
والسؤال إلى وجدي صالح ورفاقه :
وكذلك من حق السودانيين أن يسألوا الأستاذ وجدي صالح ومحمد الفكي سليمان وغيرهما ممن ارتبطوا بتجربة اللجنة:
إذا كانت اللجنة تعود فبأي سند قانوني تعود؟
ومن يراقب قراراتها؟
وأين تكون جهة الاستئناف؟
وهل ستعاد مراجعة الأخطاء التي ألغتها المحاكم؟
وهل سيكون المتهم هذه المرة قادراً على الاطلاع الكامل على الأدلة والرد عليها قبل فقدان ملكيته؟
لأن تفكيك التمكين إذا كان مطلوباً فإنه ينبغي أن يكون تفكيكاً بالقانون لا تمكيناً مضاداً باسم الثورة.
ثم السؤال الذي يخشاه الجميع :
ولنضع المسميات السياسية جانباً للحظة.
تخيلوا شخصين….
الأول صحفي أو رجل أعمال لم يحمل بندقية ولم تثبت عليه جريمة قتل ولكنه متهم بأن أمواله جاءت بطريق غير مشروع.
والثاني قائد عسكري توجد بشأن القوة التي يقودها تقارير وعقوبات دولية مرتبطة بجرائم قتل واغتصاب وتهجير ونهب.
من منهما يستحق التحقيق؟
الإجابة الطبيعية:
كلاهما.
لكن كل واحد في جريمته وبالأدلة التي تخصه.
لا نبرئ الأول لأن الثاني أسوأ.
ولا نترك الثاني لأن الأول كان كوزاً.
وهنا بالضبط تكمن المشكلة السودانية. نحن نحاول باستمرار أن نستبدل العدالة بالمقارنة.
ليس المطلوب عدالة المنتصر :
ربما تكون أكبر هزيمة يمكن أن تخرج بها البلاد من هذه الحرب هي أن ينتصر طرف عسكرياً ثم يكتب وحده سجل البراءة والإدانة. ذلك لأن السودان لا يحتاج إلى عدالة المنتصر.
يحتاج إلى عدالة تستطيع أن تنظر في عين الجميع.
تستطيع أن تستدعي إسلامياً.
وتستدعي قائداً من الدعم السريع.
وتستدعي ضابطاً في الجيش إذا قامت عليه بينة.
وتستدعي سياسياً مدنياً.
وتستدعي رجل أعمال.
وتقول لهم جميعاً العبارة نفسها:
أرونا من أين لكم هذا.. إذا كان الملف مالاً.
أو:
أجيبوا عن هذه الأدلة… إذا كان الملف دماً.
وعندها فقط يستطيع السوداني أن يصدق أن هناك دولة تولد من بين أنقاض الحرب.
أما أن تبقى بعض الممتلكات محجوزة لأن صاحبها علق عليه خصومه لافتة «كوز» بينما تمنح السياسة آخرين فرصة إعادة تقديم أنفسهم رغم خطورة ما ينسب إلى القوات التي خدموا فيها فهذه وصفة مؤكدة لجولة جديدة من المرارات.
ويبقى السؤال:
متى يصبح السوداني بريئاً حتى تثبت إدانته بدلاً من أن يصبح مداناً حتى يثبت ولاءه للمعسكر الصحيح؟
ومتى تصبح الجريمة جريمة أياً كان مرتكبها؟
ومتى يصبح المال العام مالاً عاماً سواء سرقه إسلامي أو ثوري أو عسكري؟
ومتى يصبح دم السوداني أغلى من التحالف السياسي؟
ومتى يفهم الجميع أن العدالة التي تتغير بتغير الحاكم ليست عدالة؟
إننا لا ندافع هنا عن أحمد البلال.
ولا عن علي عثمان.
ولا عن المؤتمر الوطني.
ولا نطالب بتبرئة أحد.
بل ندافع عن شيء يفترض أنه أكبر منهم جميعاً:
أن يكون في السودان قانون واحد وميزان واحد ومحكمة واحدة تقف أمامها كل الأسماء بلا استثناء.
فالدولة التي تبدأ باستثناء خصومها من الحقوق ستنتهي حتماً باستثناء مواطنيها من العدالة.
والدولة التي تغفر لحليفها ما تعاقب عليه خصمها لن تبني سلاماً مهما كثرت اتفاقياتها.
ووسط هذا الركام تبقى الأسئلة معلقة:
من سرق ؟ هاتوا الدليل وحاكموه.
من قتل ؟ هاتوا الدليل وحاكموه.
من نهب ؟ هاتوا الدليل وحاكموه.
ومن لم تثبت عليه جريمة؟
ارفعوا أيديكم عنه وأعيدوا إليه حقه.
هكذا فقط تكون العدالة.
وما عدا ذلك ليس سوى سياسة ترتدي روب القاضي.



