السعودية والسودان.. من دفء العلاقات إلى شراكة المصالح

بقلم/ اعتدال احمد الهادي
تتجاوز العلاقات السودانية السعودية حدود الجوار والمصالح السياسية لتستند إلى تاريخ طويل من الروابط الإجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية ويكتسب السودان بما يمتلكه من موارد طبيعية ومقومات استثمارية أهمية خاصة في هذه العلاقة لما يتمتع به من مساحات زراعية واسعة وأراضٍ خصبة، إلى جانب ثروات معدنية ومصادر متنوعة للمياه، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وساحل يمتد لنحو 750 كيلومتراً، بما يمنحه إمكانات اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، فثروات البحر الأحمر وموقع السودان ضمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، جعلا التعاون بين البلدين في هذا المجال ممتداً منذ عقود، ومن أبرز محطاته اتفاقيتا «أتلانتس 1» و«أتلانتس 2» للتعاون في استكشاف واستغلال الثروات البحرية، وهو ما يعكس أن المصالح المشتركة بين الخرطوم والرياض ليست وليدة الظروف الراهنة، وإنما لها جذور قديمة يمكن البناء عليها.
غير أن تاريخ العلاقات السودانية السعودية، كما هو تاريخ كثير من الاتفاقيات التي أبرمها السودان مع شركائه، يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا لم تتحول كثير من الاتفاقيات والتفاهمات السابقة إلى مشروعات مستدامة تتناسب مع حجم ما يمتلكه السودان من موارد، ومع مستوى العلاقات السياسية بين البلدين؟ فالمشكلة لم تكن دائماً في غياب الاتفاقيات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى واقع تعاقبت الحكومات والأنظمة في السودان، وتغيرت السياسات والأولويات، بينما بقيت بعض الاتفاقيات والمشروعات تراوح مكانها، أو تتعثر مراحل تنفيذها، أو تفقد زخمها مع تغير الظروف السياسية والاقتصادية.
و من هذا المنطلق، فإن توقيع اتفاقية تأسيس مجلس التنسيق السوداني السعودي ليس مجرد حدث دبلوماسي جديد يُضاف إلى سجل العلاقات بين البلدين، بل هو محاولة لوضع هذه العلاقة التاريخية على طريق أكثر تنظيماً، وربما أكثر واقعية.
السعودية بالنسبة للسودان ليست دولة جارة تربطها به المصالح فقط، ولا شريكاً اقتصادياً يمكن قياس العلاقة معه بالأرقام وحدها بل تاريخ طويل من الروابط الإنسانية والاجتماعية والسياسية، جعل المملكة حاضرة في وجدان السودانيين و جعل السودان جزءاً من اهتمام المملكة باستقرار المنطقة والبحر الأحمر فتلك العلاقة تتجاوز الحدود التقليدية؛ فهي غير انها جغرافية عبر البحر الأحمر، بل ايضا وروحية وثقافية تشكلت حول الحج والعمرة، وإنسانية واقتصادية امتدت عبر حركة الأشخاص والتجارة والاستثمارات وتبادل الخبرات والمعرفة بين البلدين فالمملكة اكتسبت مكانتها الخاصة في الوجدان السوداني بوصفها مهد النبوة ومهبط الوحي، حيث مكة المكرمة والمدينة المنورة، فيما كان السودان، بحكم موقعه بين وادي النيل والبحر الأحمر، جسراً للتواصل العربي والإسلامي مع شرق أفريقيا و رحلات الحج القادمة من سنار ودارفور، ومحمل السلطان علي دينار اسهمت في تجديد الصلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين السودانيين والحجاز عبر فترات تاريخية متعاقبة.
ومع استقلال السودان عام 1956، انتقلت هذه الروابط التاريخية إلى إطار العلاقات الرسمية بين البلدين، لتتطور تدريجياً من التمثيل الدبلوماسي إلى تعاون شمل السياسة والاقتصاد والزراعة والثروة الحيوانية والتعليم والثقافة والعمل الإنساني والاستثمار.
وكان البحر الأحمر، الذي ظل لقرون جسراً للحركة التجارية والبشرية، يتحول تدريجياً إلى مساحة استراتيجية مشتركة بين البلدين، تتقاطع فيها المصالح المرتبطة بالأمن والاقتصاد والنقل والطاقة والثروات البحرية.
وفي الذاكرة السياسية العربية، تظل قمة الخرطوم العربية عام 1967 إحدى أبرز محطات العلاقة السياسية بين البلدين. فقد استضافت الخرطوم القمة العربية التي عُرفت بقمة «اللاءات الثلاث»، في أعقاب حرب يونيو 1967، وارتبطت بزيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى الخرطوم وبالدور الذي لعبه السودان في تقريب المواقف العربية في تلك المرحلة. وقد صدر عن القمة بيانها الختامي في الأول من سبتمبر 1967، متضمناً موقف «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض» مع إسرائيل.
وفي العقود اللاحقة، اتسعت دوائر التعاون لتشمل مجالات الاستثمار والزراعة والثروة الحيوانية والتعليم والصحة والعمل الإنساني، كما أصبح الوجود السوداني في المملكة أحد أهم الجسور البشرية التي تعكس عمق العلاقة بين الشعبين.
وهكذا، فإن العلاقة السودانية السعودية لم تُبنَ في يوم واحد، ولم تبدأ بالاتفاقيات الاقتصادية الحديثة؛ وإنما تشكلت عبر طبقات متراكمة من الدين والجغرافيا والتاريخ والسياسة والمصالح الإنسانية والاقتصادية. وربما لهذا السبب تحديداً، فإن أي حديث عن مستقبل العلاقة بين البلدين لا ينبغي أن يبدأ من الاتفاقية الجديدة وحدها، وإنما من قراءة ما راكمه البلدان عبر عقود، وما نجح منها، وما تعثر، وما يزال ينتظر أن يتحول من تاريخ واتفاقيات إلى واقع ومشروعات ومصالح مشتركة.
ومن هنا تأتي أهمية المجلس الجديد فالعلاقات القوية تحتاج إلى مؤسسات تحميها من المزاجية والظروف الطارئة، وتحول النوايا الطيبة إلى برامج ومشروعات واتفاقيات قابلة للتنفيذ.
وإذا كان المجلس سيغطي الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في عدد اللجان، وإنما في قدرتها على إنتاج شيء ملموس
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأوراق بقدر حاجته إلى مشروعات واضحة، واستثمارات حقيقية، وشراكات تخلق فرصاً وتعيد تشغيل القطاعات المتوقفة.
ولعل حديث السفير دفع الله الحاج عن ضرورة إعداد دراسات لمشروعات واضحة وطموحة هو المدخل الأهم. فالاستثمار لا يأتي بالشعارات، وإنما بالخطط الجاهزة، والقوانين الواضحة، والبيئة الآمنة، والقدرة على حماية رأس المال، والسودان بما يملكه من موارد وموقع استراتيجي وإطلالة واسعة على البحر الأحمر يستطيع أن يقدم للسعودية أكثر من مجرد سوق للاستثمار فالحديث عن البحر الأحمر باعتباره ممراً استراتيجياً يزداد أهمية في ظل اضطراب طرق الملاحة الدولية، يجعل السودان معنياً ليس فقط بحماية ساحله، وإنما بتوظيف موقعه ضمن شراكات إقليمية أوسع.
لكن نجاح المجلس سيظل مرتبطاً أيضاً بقدرة السودان على معالجة الأسباب التي حالت في السابق دون تدفق الاستثمارات فالمستثمر لا يبحث فقط عن الموارد، وإنما عن الاستقرار، والشفافية وسهولة الإجراءات، وضمانات حقيقية تحمي استثماره لذلك فإن مجلس التنسيق السوداني السعودي ينبغي ألا يكون مجرد مظلة جديدة للعلاقات، بل فرصة لإعادة تعريفها على أساس المصلحة المتبادلة.
السودان يحتاج السعودية، والسعودية لديها مصالحها في السودان والمنطقة وهذه ليست معادلة تنتقص من أحد، بل هي جوهر العلاقات الدولية الحديثة.
أما الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها هذا المجلس، هي أن السودان رغم الحرب والأزمات التي تكالبت عليه ما زال قادراً على بناء علاقاته، وإعادة تقديم نفسه كشريك يمتلك ما يمكن أن يضيفه، لا كبلد ينتظر المساعدة فقط.
ويبقى السؤال: هل نستطيع نحن في السودان أن نحول هذه الفرصة إلى مشاريع حقيقية؟ الإجابة لن تكون في قاعات المؤتمرات، وإنما فيما سيحدث بعدها.



