الخدمة المدنية: الحرب ستنتهي وسيكون لزاما علينا أن نبني كثيراً من الأشياء من جديد

بقلم/ هشام عزالدين
لفتت نظري في الأيام الماضية منشورات كثيرة على فيسبوك تتحدث بحزن عن إحالة ضابط إداري في ولاية القضارف اسمه (جاموس) إلى المعاش بعد بلوغه السن القانونية.. (كانت ٦٠ عاماً تم رفعها ايام الرئيس البشير الى٦٥).
قد يبدو الأمر عادياً، موظف أكمل سنوات خدمته وذهب إلى المعاش، لكن قصة (جاموس) جعلتني أفكر في موضوع أراه أكبر بكثير من إحالة موظف إلى المعاش.
نحن الآن في أكتوبر، الشهر الذي ارتبط في يوم الناس هذا، باللون الوردي وأن كان لايزال اخضر في الذاكرة السياسية السودانية، لكن (ودائما المهم عندنا يكون بعد لكن) أكتوبر بالنسبة للخدمة المدنية السودانية له لون مختلف، في هذا الشهر تبدأ خطابات الإجازة النهائية للعاملين الذين سيبلغون سن المعاش في يناير من العام التالي. وبما أن كثيراً من السودانيين يحملون في أوراقهم تاريخ ميلاد 1/1، فإن يناير يصبح عملياً شهراً لخروج أعداد كبيرة من الموظفين إلى المعاش.
المشكلة ليست في المعاش نفسه، فهذا أمر طبيعي.
المشكلة في ما نتركه يذهب مع الموظف.
الخدمة المدنية السودانية كانت واحدة من المؤسسات التي قامت عليها الدولة منذ وقت مبكر، وورث السودان من المستعمر البريطاني (البغيض) جهازاً إدارياً له تقاليده وقواعده وتسلسله. وكانت الخبرة تنتقل داخله بصورة طبيعية من الموظف الأقدم إلى الموظف الأصغر.
لكن الخدمة المدنية لم تكن بعيدة عن السياسة.
تعرضت في عهود مختلفة لضغوط وضربات أثرت عليها، حتى في عهدي الرئيسين الراحلين عبود ونميري، ثم جاءت الإنقاذ في بداية التسعينيات بقانون الصالح العام.
كان ذلك واحداً من أكبر الجروح التي أصابت الخدمة المدنية. خرج عدد كبير من العاملين من مواقعهم، وفقدت مؤسسات الدولة خبرات كان من الصعب تعويضها. واحتاجت الخدمة المدنية إلى سنوات طويلة حتى تتعافى وتستعيد جزءاً كبيراً من توازنها.
ثم، بعد 29 عاماً، جاءت لجنة إزالة التمكين.
وهنا كانت الضربة، في تقديري، أقسى.
صدرت قرارات بإبعاد أعداد كبيرة من العاملين من الخدمة المدنية، بتهمة الانتماء إلى نظام الإنقاذ (أعادت المحكمة العليا معظم هؤلاء إلى وظائفهم لاحقاً) لكن الموظف الذي خرج من موقعه سنوات ثم عاد إليه ليس هو الموظف نفسه الذي خرج.
عاد كثيرون وقد انكسر شيء في داخلهم، وفقدوا فترة من حياتهم الوظيفية، وتضررت علاقتهم بالمؤسسة التي عملوا فيها سنوات طويلة.
وكانت الخدمة المدنية قد دفعت ثمناً كبيراً حتى تتعافى من آثار الصالح العام، فإذا بها تدخل مرة أخرى في دوامة جديدة.
ثم جاءت حرب الجنجويد في 2023.
وهذه المرة لم تكن المشكلة في قرارات إدارية فقط. الحرب نفسها أوقفت الحياة في مؤسسات كثيرة، ودفعت الملايين بعيداً عن أماكن عملهم، وأصبح الموظف عاجزاً عن الوصول إلى مكتبه أو ممارسة عمله بصورة طبيعية.
ولننظر إلى الأمر من زاوية بسيطة.
هناك موظف كان عمره 61 عاماً عندما توقفت الحياة الطبيعية بسبب الحرب. اليوم يقترب من سن المعاش، وقد مرت عليه أكثر من أربع سنوات لم يعمل فيها بصورة طبيعية، ولم ينقل خلالها ما يعرفه إلى موظف أصغر منه.
وهنا بدأت ألاحظ شيئاً آخر.
في بعض مؤسسات الدولة الآن، تظهر أخطاء إدارية لم تكن مألوفة بهذا الشكل. خطاب يكتب بطريقة خاطئة، قرار يصدر من الجهة غير المختصة، إجراء يسير من طريق غير صحيح، أو معاملة لا يعرف صاحبها أين تبدأ وأين تنتهي.
وقد يقول لك أحدهم: هذه هي البيروقراطية التي ظللنا نشكو منها.
لكن هناك فرق.
البيروقراطية عندما تتحول إلى تعطيل وتعقيد شيء، ومعرفة أصول العمل الإداري شيء آخر تماماً.
أن يعرف الموظف من يرفع المعاملة، ومن يراجعها، ومن يملك صلاحية القرار، ومن يوقع، وأي جهة يجب أن تمر عليها المعاملة، هذه ليست تعقيدات زائدة. هذه هي الطريقة التي تحمي بها المؤسسة نفسها وتحمي الموظف وتحفظ المسؤولية.
والجزء الأخطر أن كثيراً من هذه الأشياء لا تجده مكتوباً في كتاب.
هناك خبرة تأتي مع السنوات.
الموظف الذي قضى ثلاثين عاماً في مؤسسة يعرف تفاصيل كثيرة لا يعرفها الموظف الجديد، حتى لو كان هذا الموظف الجديد يحمل أعلى المؤهلات. يعرف لماذا اتخذ قرار معين قبل عشرين سنة، ويعرف كيف عولجت أزمة مشابهة، ويعرف أين يمكن أن تقع المشكلة، وأحياناً يعرف من واقع التجربة كيف يمكن حلها قبل أن تكبر.
هذه الأشياء هي التي أخشى أن نفقدها الآن.
لأن سن المعاش سيأخذ معه خلال السنوات القادمة أعداداً من الموظفين أصحاب الخبرة، وبعضهم أصلاً لم تتح له فرصة نقل خبرته بسبب الحرب وما سبقها.
ولا أعتقد أن الحل هو رفع سن المعاش. هناك أجيال جديدة تنتظر فرصها، ومن حقها أن تتقدم وتتولى المسؤولية.
لكن من الخطأ أيضاً أن نترك الموظف يخرج من الخدمة ونترك معه ثلاثين أو أربعين سنة من المعرفة.
يمكن الاستفادة من هؤلاء بعد المعاش. يمكن أن يعملوا في التدريب، أو الاستشارات، أو برامج نقل الخبرة داخل المؤسسات لفترات محددة. والأهم أن نسجل تجاربهم قبل أن تضيع.
ليس فقط متى التحق فلان بالخدمة ومتى خرج منها.
نريد أن نعرف كيف كانت المؤسسة تعمل، كيف كانت تتعامل مع الأزمات، كيف كانت الملفات تدار، وما الذي تعلمه هذا الموظف خلال سنوات طويلة لا يمكن اختصارها في سيرة ذاتية.
الحرب ستنتهي، وسيكون لزاما علينا أن نبني كثيراً من الأشياء من جديد.
لكن أخشى أن تكون أصعب عملية إعادة بناء هي إعادة بناء الدولة نفسها، لأن المبنى يمكن أن يعاد تشييده، والملف يمكن أن يعاد فتحه، لكن خبرة ثلاثين أو أربعين عاماً لا يمكن استعادتها بسهولة إذا خرج صاحبها من الباب ولم يتركها وراءه.
امنياتي للضابط الإداري جاموس بحياة معاشية هادئة وهانئة له ولجميع المعاشيين.



