إعلام الأزمات: عندما تغرد “العربية” خارج السرب..!؟

ما وراء إصرار “العربية” على تسمية البرهان بقائد الجيش فقط؟
القناة تتجاهل عمداً الصفة الرسمية لرئيس مجلس السيادة
غرف الأخبار المظلمة تدير حرباً نفسية رخيصة ضد السودان
الدبلوماسية السعودية تثبت بوضوح دعمها الكامل لوحدة ومؤسسات السودان
تناقض صارخ يربك المشهد بين سياسة الرياض وقناة العربية
الدبلوماسية المصرية توثق بكل قوة شرعية رئيس مجلس السيادة
مسعد بولس يقر علناً بشرعية القيادة السودانية الرسمية المعتمدة
”العربية” تتغاضى بشكل فاضح عن أبشع انتهاكات الدعم السريع
تقرير: رمضان محجوب
بعض المؤسسات الإعلامية تتمترس خلف سرديات ملتبسة تتعمد طمس الحقائق الدستورية والسياسية للنزاعات الإقليمية، وتحديداً في الملف السوداني المعقد. وفي السياق، برزت مؤخراً قناة “العربية” كنموذج فاقع للتناقض التحريري، حين أصرت على اختزال الصفة الرسمية للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بوصفه “قائد الجيش”، متجاهلة تماماً صفته الدستورية كـ “رئيس مجلس السيادة الانتقالي”، ورغم ثبات الموقف الإقليمي والدولي وتأكيد المؤسسات الرسمية في المملكة العربية السعودية ومصر وعواصم القرار الكبرى على شرعيته المؤسسية. والأدهى من ذلك أن هذا الأداء الإعلامي المتعسف يأتي في وقت تراجعت فيه حتى الدوائر الغربية والأمريكية عن لغة التهميش السابقة، لتعكس القناة بذلك فجوة عميقة تثير التساؤلات المشروعة حول مدى استقلالية قرارها التحريري.
▪️ المفارقة التحريرية الصارخة
تجسد الممارسات التحريرية لقناة “العربية” حالة فريدة من التعامي المهني عن الواقع السياسي والقانوني المفروض على الأرض في السودان. فحين تستقر الأدبيات الدبلوماسية ومؤسسات الدول على مخاطبة القيادات بأسمائها وصفاتها الرسمية العليا، تتعمد القناة هدم هذه القواعد المتبعة. وهنا يرى محلل سياسي تحدث للعودة أن هذا النهج لا يمكن تفسيره بمحض الصدفة البحتة أو الخطأ العفوي داخل غرف الأخبار، بل هو خيار تحريري مقصود يهدف إلى تسطيح طبيعة الصراع وإفراغ مؤسسات الدولة الوطنية من مضمونها السيادي، من خلال الانتقائية الحادة في اختيار الألقاب وتوظيف المصطلحات الموجهة التي تخدم أجندات إقليمية محددة تسعى لتقويض الدولة لصالح الميليشيات المتمردة والكيانات الموازية غير القانونية.
▪️ شرعية المؤسسات الدستورية
تتعارض صياغات “العربية” بشكل صارخ مع الثوابت الدبلوماسية التي تعترف بها كبرى عواصم صنع القرار الإقليمي والدولي. فعندما تستقبل المؤسسات الرسمية ورؤساء الدول الفريق البرهان، فإنها تدرك تماماً أنه يمثل رأس الدولة ورمز شرعيتها الدستورية، كما تتطابق هذه الحقيقة مع البيانات الرسمية الصادرة عن الرئاسة المصرية وغيرها من الدول الشقيقة التي تؤكد صراحة على دعمه بصفته رئيساً لمجلس السيادة. وهنا يوضح خبير قانوني في حديثه للعودة أن تجاهل هذه الصفة الرسمية يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط معايير الصحافة المهنية الرصينة، التي تفرض نقل الحقائق الدستورية كما هي دون تحريف أو انتقاص، لأن إسقاط الصفة السيادية يعد محاولة بائسة لخلخلة الاعتراف الدولي بشرعية الدولة السودانية ومؤسساتها القائمة.
▪️ التناقض مع الدبلوماسية السعودية
ويمثل أداء القناة إشكالية بالغة التعقيد حين يتم وضعه في ميزان التقارب الاستراتيجي والسياسي بين السودان والمملكة العربية السعودية، حيث تدعم الرياض بوضوح وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية الرسمية. وهنا يشير خبير استراتيجي إلى أن هذا الأداء الإعلامي يضع علامات استفهام كبرى حول مدى التزام “العربية” بالخطوط العامة للسياسة الخارجية التي تحترم سيادة الدول ومؤسساتها المعترف بها. إن تغريد القناة خارج السرب الرسمي للموقف السعودي الداعم لشرعية مؤسسات الدولة السودانية يعكس فجوة مقلقة بين التوجهات الدبلوماسية الكبرى وتوجيهات غرف الأخبار التي تبدو وكأنها تدار برؤى مصلحية ضيقة تتقاطع مع مصالح المحاور المعادية لاستقرار السودان ووحدته.
▪️ تحولات الموقف الغربي
لم يعد خفياً أن الدوائر الغربية والأمريكية نفسها قد بدأت بمراجعة مقارباتها السابقة تجاه الأزمة السودانية، وصولاً إلى إقرار صريح بالواقع المؤسسي والدستوري القائم في الخرطوم. وفي هذا السياق، يبرز التراجع الواضح لشخصيات ومستشارين دوليين – مثل التصريحات والمواقف المنسوبة لمسعد بولس وغيره من مسؤولي الإدارة الأمريكية – عن لغة التهميش السابقة لصالح التعامل الواقعي مع رئيس مجلس السيادة. لذا فإن تمسك “العربية” بالخطاب القديم وتجاهلها لهذه التحولات الدولية يعكس إفلاساً تحريرياً وانعزالاً عن الواقع الجيوسياسي المتحرك، مما يثبت أن القناة باتت تتبنى سرداً إعلامياً متهافتاً يتجاوز حتى الموقف الميداني والدبلوماسي للقوى الغربية التي تدعي القناة نقل نبضها.
▪️ أزمة استقلالية التحرير
تثير هذه الممارسات المتكررة تساؤلات عميقة حول مدى استقلالية القرار التحريري في المؤسسة الإعلامية، ومدى خضوعها لتوجيهات ضغط سياسي موازٍ. مما يجعل المراقب الإعلامي الحصيف يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة التي توجّه بوصلة الأخبار في “العربية”، لأن الإصرار الممنهج على مناداته بـ “قائد الجيش” وتغييب لقبه الدستوري ينم عن هيمنة رغبات ممولين وجهات إقليمية تسعى لتكريس الانقلاب على الشرعية الدولية. فالإعلام المهني الحقيقي يفترض أن يكون مرآة صادقة للواقع، لا أن يتحول إلى منصة حرب نفسية ودعائية رخيصة تُوظف لتصفية الحسابات السياسية على حساب دماء الشعب السوداني ومعاناته الإنسانية الكبرى.
▪️ تقويض مساعي السلام
ولا يقتصر الضرر المترتب على هذا التناول الإعلامي المنحاز على حدود الصياغة اللغوية فحسب، بل يمتد ليكون عنصراً معطلاً لأي تسوية سياسية حقيقية تضمن استقرار السودان. فتعمد “العربية” إضفاء الشرعية غير المباشرة على الميليشيات عبر إضعاف الرمزية الدستورية لرئيس الدولة يسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وإفشال المبادرات الإقليمية والدولية. فعين المتابع الفاحص تدرك تماماً أن مثل هذه الرسائل الإعلامية المسمومة تغذي أطماع الأطراف الداعمة للمرتزقة والميليشيات، وتعزز شعورهم بالإفلات من العقاب، مما يجعل الإعلام شريكاً أساسياً في تعميق الأزمة الإنسانية وتشريد ملايين السودانيين الأبرياء في الداخل والخارج.
▪️ سقوط معايير المهنية
وتُظهر متابعة النشرات والتقارير المصورة تراجعاً مريعاً في الأمانة الصحفية والحياد الموضوعي الذي تتغنى به هذه القنوات. فالاستخدام المنتظم لمصطلحات منتقاة بعناية لتقويض القيادة الشرعية يمثل سقوطاً مدوياً للمؤسسة في اختبار المهنية الإعلامية. فقواعد الصحافة العالمية تلزم المؤسسات بنقل الألقاب الرسمية للزعماء كما تعترف بها الأمم المتحدة والأنظمة القانونية للدول، بغض النظر عن الانتماءات أو الرغبات التحريرية للجهات المالكة. لتَبقى الحقيقة واضحة لتقول إن تحويل الأخبار إلى منصات لتمرير الأجندات السياسية الضيقة يفقد المنصة مصداقيتها تدريجياً أمام الجمهور العربي والعالمي الذي بات يدرك خلفيات هذا التلاعب المفضوح.
▪️ شهادة المراقبين الدوليين
تتطابق قراءات المراقبين الدوليين المستقلين مع ما يطرحه الخبراء المحليون بشأن الانحراف الخطير في تغطية “العربية” للشأن السوداني. وفي السياق، يشير تقرير أعده مرصد الإعلام العربي إلى أن القناة تتصدر المؤسسات التي تتبنى سياسة تحريرية مزدوجة المعايير تجاه النزاعات العربية، حيث تغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها قوات الدعم السريع، وفي المقابل تشن حملات ممنهجة لتشويه وتقويض مؤسسات الدولة السودانية وجيشها الوطني. هذا التوجه الممنهج يعكس بحسب المراقبين رغبة محمومة في فرض وقائع مصطنعة على الأرض تتناقض تماماً مع طبيعة الصراع الحقيقي، مما يجعل الخطاب الإعلامي للقناة جزءاً لا يتجزأ من منظومة الضغط الإقليمي المسلط على السودان.
▪️ آفاق المواجهة الإعلامية
عموماً، وفي ظل هذا التحدي السافر الذي تمارسه منصات إعلامية إقليمية كبرى، تبرز ضرورة ملحة لصياغة استراتيجية إعلامية سودانية ووطنية قادرة على تفكيك هذه السرديات المضللة ومواجهتها بالحقائق الدستورية والوثائق الدبلوماسية. فمعركة الوعي الإعلامي لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية على الأرض. وفضح هذه الممارسات المنحازة وتعريتها أمام الرأي العام العربي والدولي بات واجباً وطنياً ومهنياً، لتظل حقيقة شرعية الدولة السودانية ومؤسساتها راسخة وثابتة لا تهزها أمواج التضليل الممنهج التي تقودها غرف الأخبار المغلقة في بعض القنوات الفضائية.




