علم الدين عمر يكتب : الحكومة والإعلام.. إني أري شجراً يسير !

حاجب الدهشة
فجأة..وجدت الساحة السودانية نفسها أمام تصعيد لافت بين الحكومة والإعلام.. تصعيد تجاوز حدود التباين الطبيعي في المواقف والتقديرات.. واتخذ ملامح تدافع خشن لا يبدو أن أحداً سيخرج منه رابحاً.. يحدث ذلك في وقت تواجه فيه البلاد تحديات الحرب والإقتصاد واستعادة مؤسسات الدولة.. وهي ظروف تجعل الحاجة إلى التفاهم أكبر من أي وقت مضى..
إني أرى شجراً يسير في هذه المساحة الحساسة.. المسألة ليست مجرد تصريحات غاضبة أو ردود أفعال مهنية.. يبدو أن هناك خلل في فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والصحافة.. وحدود الدور الذي يؤديه كل طرف..
بعض دوائر الحكومة تراهن على أن الظروف التي تمر بها البلاد ستدفع الإعلام إلى الانزواء.. أو التغاضي عن أوجه القصور في الأداء العام..وكأن الحرب تمنح الجهاز التنفيذي حصانة من المساءلة.. وتجعل النقد فعلاً لا يجوز في حق الدولة.. هذا تقدير يحتاج إلى مراجعة.. فالإعلام لا يفقد وظيفته الوطنية في الرقابة والنقد والتوجيه مطلقاً.. بل تزداد الحاجة إليه في كشف الحقائق.. وتفسير القرارات.. وتصحيح المعلومات.. ونقل صوت المواطنين إلى دوائر صناعة القرار..
وفي المقابل.. فإن مسؤولية الإعلام لا تقل عن مسؤولية الحكومة.. إذ تقتضي المهنية التحقق والدقة والتوازن.. والتمييز بين النقد والتجريح.. وبين المساءلة وتصفية الحسابات.. ولكن معالجة أي تجاوز لا تكون بتوسيع دائرة الخصومة،د..ولا بتحويل الخلاف المهني إلى معركة بين المسؤولين والصحفيين..
المشكلة تبدأ حين تنظر الحكومة إلى الإعلام كعبء لابد من تحجيمه بدلاً من اعتباره شريكاً في إدارة الوعي العام.. الأبواب حين تُغلق أمام الصحفيين وتُحجب المعلومات.. قد ينتقل الإعلام من موقع الشريك الذي يمكن الإستفادة منه إلى موقع الرقيب المتشدد.. الذي يراقب أداء الحكومة بعين الشك.. ويقرأ الصمت كأزمة ثقة.. وغياب المعلومة كمؤشر واضح ومنطقي على الخلل..
وبذلك سيصبح الأمر أزمة تمس صورة الدولة وقدرتها على شرح سياساتها وكسب ثقة الرأي العام..
فما العمل؟..
أولاً.. على مكتب رئيس الوزراء مراجعة مسار العلاقة مع الإعلام.. ووضع قواعد واضحة للتواصل تقوم على الإحترام المتبادل.. وإتاحة المعلومات..والرد على الأسئلة..بعيداً عن التأنيب وردود الفعل المتوترة.. والبلاغات..
ثانياً.. تحتاج الحكومة إلى متحدثين يمتلكون المعلومات والقدرة على الشرح..وإلى إحاطات دورية تضع الرأي العام أمام الحقائق.. بدلاً من ترك الفراغ للشائعات والتأويلات..
ثالثاً.. ينبغي إنشاء قناة مؤسسية للحوار بين الحكومة والقيادات الصحفية والإعلامية.. لمعالجة الخلافات وتصحيح المعلومات ومناقشة القضايا العامة.. دون أن تتحول العلاقة إلى مجاملات أو محاولات لاسترضاء الإعلام..
رابعاً..على المؤسسات الإعلامية الإلتزام بالدقة والمسؤولية.. مع الحفاظ على استقلالها وحقها في النقد والمساءلة.. فالأمن القومي لا ينبغي أن يكون ذريعة لحجب المعلومات أو تجريم الإعلاميين.. كما أن حرية الصحافة لا تعني تجاوز القانون أو الإضرار بحقوق الآخرين..
إن السودان أحوج ما يكون إلى توحيد طاقاته بدل إستنزافها في معارك جانبية..
إني أرى شجراً يسير.. والأجدى أن تتوقف الحكومة والإعلام لمراجعة حساباتهما.. فالمعركة الحقيقية هي معركة إستعادة الدولة لثقة مواطنيها وليس تجريم إعلامها الذي حملها.. كفصيل متقدم من منطلقات ذاتية وطنية مجردة قبل أن تكون هذه الحكومة شيئاً مذكورا.. وعليها أن تمتلك الشجاعة لسماع الحقيقة.. حتى حين تكون موجعة..



