مقرر المجلس الأعلى لنظارات البجا في حوار مع صحيفة (العودة)

أوبشار: الحكومة فاشلة والجنيه يواجه انهياراً كاملاً

قرارات الحظر تُصدر لفتح باب الاستثناءات لا أكثر


على الحكومة أن تستقيل إن كانت ترى أنها لا تتحمل المسؤولية


يبدو أن الضوء الذي رآه حمدوك في نهاية النفق هو شرارة الشعلة التي أحرقت الوطن


تطبيق حصر تصدير الذهب دفع ثمنه مدير بنك السودان السابق


لا يمكن أن يتحمل الشعب الأمرّين: الحرب وفشل الحكومة


عسكرة الجهاز التنفيذي في الدولة تزيد من الهوة والشقاق


وزارة مالية جبريل إبراهيم الأسوأ في تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال


(التهميش) سمة وعار يلاحق النخبة المركزية الحاكمة التي كانت بيننا في البحر الأحمر ولم تقدّم له شيئاً



حاورته: نشوة أحمد الطيب


اتهم مقرر المجلس الأعلى لنظارات البجا، عبد الله أوبشار، الحكومة بالفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية، مؤكداً أن العملة الوطنية تعيش (مرحلة الانهيار الكامل)، ودعاها إلى تقديم استقالتها إن كانت ترى أنها لا تتحمل المسؤولية.

وقال أوبشار في حوار مع (العودة) إن قرارات حظر الصادرات والواردات وتقييدها تُستخدم لفتح باب الاستثناءات، وإن شركات بعينها تحتكر التسهيلات في الواردات.. وانتقد توجه وزارة المالية لزيادة الضرائب، محذراً من أنه قد يقود إلى غضب شعبي واسع. وفي ملف الشرق، رأى أن التهميش يلاحق ولاية البحر الأحمر، وأكد أن حديثه عن قضية الإقليم يعبّر عن رأيه الشخصي. ووجّه رسالة إلى صناع القرار دعاهم فيها إلى التخلي عن الانفراد بالرأي وعسكرة الجهاز التنفيذي، وإلى إشراك المواطن في صناعة القرار.



س. في ظل الانهيار المتسارع الذي يشهده الجنيه السوداني وتعطل الحركة التجارية، كيف تقيّمون أداء الحكومة الحالية في التعامل مع هذه الأزمة حتى الآن؟

ج. تؤكد القرائن المادية والقرارات التي أتت من مجلس السيادة لدوائر من قِبل أعضائه فشلَ الحكومة الكامل في الأداء، فهي لا تمتلك أي سلطة أو قرار، وفاشلة بكل المقاييس.


س. تتحدثون عن اتساع أبواب الاستثناءات والامتيازات داخل دوائر القرار. من هم المستفيدون منها في رأيكم؟

ج. هناك قرارات مجحفة تصدر من قِبل الحكومة، وفي مقدمتها قرارات حظر وتقييد الصادرات والواردات، بما فيها المواد الغذائية من أرز وفول مصري وإسمنت وغيره. وفي المقابل، تتم كل هذه القرارات من أجل تفعيل الاستثناءات، وتعمل في هذه الدوائر شركات بعينها تحتكر التسهيلات في الواردات عبر كافة المنافذ، ومنها من يبيع تلك الاستثناءات لتجار بعينهم وبشكل حصري يفوق كل التوقعات. وللأسف، تصدر قرارات الحظر من أجل فتح باب الاستثناءات لا أكثر.


س. أشرتم إلى أن بعض مؤسسات الدولة باتت تطالب بالسداد بالدولار بدلاً من الجنيه. من هي هذه المؤسسات تحديداً؟

ج. كل الوزارات المعنية المترابطة بالرسوم الحكومية تطالب بالسداد بالدولار أو ما يقابله بالجنيه: جمارك، موانئ، وزارة المعادن وغيرها من الجهات والمؤسسات الحكومية.


س. وكيف تنظرون إلى أثر هذه الممارسة على العملة الوطنية؟

ج. ماذا تبقّى للعملة الوطنية ! فالموضوع تجاوز مستوى الحديث عن الأثر، ونحن نعيش مرحلة الانهيار الكامل للعملة السودانية، التي قد تضحى بين ليلة وضحاها غير مبرئة للذمة داخل السودان.


س. برأيكم، أين تذهب عائدات صادرات الذهب إن لم تكن تدخل عبر بنك السودان؟

ج. للأسف، خلّفت شركات وإمبراطوريات عدة من استثمارات الدعم السريع، الذي سبق غيره، ولو كانت عائداته تذهب إلى بنك السودان لكنّا، في أبسط الأشياء، نوفر الانهيار المالي، وذلك بتوفير احتياطي للنقد الأجنبي في بنك السودان.


س. هل سبق أن قدّمتم مطلب حصر تصدير الذهب عبر بنك السودان رسمياً لجهات القرار؟ وما الذي حال دون تنفيذه حتى الآن؟

ج. تطبيق حصر تصدير الذهب دفع ثمنه مدير بنك السودان السابق، ولن يسمحوا بذلك خوفاً على إمبراطورياتهم المالية على حساب الضعفاء من أبناء الوطن.



س. كيف تقيّمون الأثر الاقتصادي لأزمة الجازولين على ولايات الشرق تحديداً؟

ج. من الخطأ الفادح أن تترك الدولة شأن توفير المواد البترولية للقطاع الخاص، وفي مقدمتها الجازولين، وذلك لارتباطه بالزراعة والصناعة والنقل والإنتاج بشكل كلي. وتعيش مناطق الإنتاج في كافة القطاعات أزمة وقود خانقة جداً، وفي مقدمتها الشرق، الذي توقفت فيه عمليات التعدين بشكل كلي نسبةً لشحّ الوقود للطواحين ومصانع الذهب وآليات التعدين. ولو كانت الدولة تتباهى بازدياد نسبة الإنتاج في الأشهر الماضية، فنحن على مقربة من خروج هذا القطاع بشكل كلي نسبةً لعدم توفّر الوقود والجازولين.


س. ومن تحمّلونه مسؤوليتها بشكل مباشر؟

ج. إن كانت الحكومة ترى أنها لا تتحمل المسؤولية فعليها تقديم استقالتها، ولا يمكن أن يتحمل الشعب الأمرّين: الحرب وفشل الحكومة.


س. ما البديل الذي تطرحونه لسد عجز الموازنة دون مزيد من الضرائب على المواطن؟

ج. بدأت في الآونة الأخيرة ثورات من قطاع عريض من التجار ضد الزيادة غير المبررة للضرائب الباهظة، التي تُعدّ فيها حكومة ووزارة مالية جبريل إبراهيم الأسوأ في تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال. وقد سعى عدد كبير من رؤوس الأموال وصغار التجار إلى إغلاق ملفاتهم في عدد من ولايات السودان المختلفة، نسبةً لأن الضرائب أضحت غير منطقية، بل انتقامية في مواجهة التجار، ولم تراعِ ظروف الحرب وغيرها. والحديث عن زيادة الضرائب أمر بالغ الخطورة، وقد يؤدي إلى ثورة عارمة تزلزل خيبة أمل حكومة الجبايات.


س. استحضرتم في تصريحات سابقة تجربة الدكتور محمد طاهر إيلا المرتبطة بخفض الدولار الجمركي وكبح نفوذ الشركات الأمنية والعسكرية. لماذا اخترتم استحضار هذه التجربة تحديداً في سياق حديثكم عن الأزمة الراهنة؟ وهل ترون أن هذا النهج ترك أثراً حقيقياً وملموساً خلال الفترة التي طُبّق فيها؟ ولماذا لم تستفد البلاد من هذه التجربة أو تُبنَ عليها لاحقاً برأيكم؟

ج. بالتأكيد، كانت تجربة إيلا في إدارة الملف الاقتصادي مختلفة تماماً، وبشراكة زكية مع القطاع الخاص من رجال الأعمال والمستثمرين، ويُعدّ أول رئيس مجلس وزراء يقوم بتخفيض الدولار الجمركي من 18 إلى 13، مما أسهم في ازدياد تدفقات الرسوم الجمركية والمينائية ومنع التهريب وغيره، بل كانت نتائج واضحة في هبوط واستقرار العملة بشكل واضح، إضافة إلى قرارات تخص عدداً من المؤسسات وإعادتها لمسارها الطبيعي، كالمؤسسة السودانية للنفط وسودامين وغيرها، مما زاد من توجّس الدولة العميقة المستفيدة من خنق السودان اقتصادياً.


س. في رأيكم، هل لا تزال هناك جهات أو شركات تمارس نفوذاً مالياً خارج الرقابة الرسمية للدولة حتى الآن؟

ج. عشرات، بل أكثر، من الشركات تمارس النفوذ والاحتكار وخارج كل شيء يخص


س. هل ترون أن السودان مقبل على انفجار اجتماعي إذا استمر هذا الوضع؟

ج. ما نشاهده أن السودان مقبل على وضع أسوأ من الذي عشناه ونحن فيه الآن من حرب واقتصاد منهار، لأننا لم نتعظ ولم نعِ الدروس جيداً، ونعمل وفق المصالح الشخصية على حساب الوطن، والأنانية والمحسوبية التي تُمارس على أعلى المستويات في الدولة: دفعتي ودفعتك وقريبك، والله المستعان.


س. وما الأفق الزمني الذي تتوقعونه؟

ج. لا أريد التشاؤم، ويبدو أن الضوء الذي رآه حمدوك في نهاية النفق هو شرارة الشعلة التي أحرقت الوطن، ويبدو أنه ما زال أمامنا الكثير، لأن من يتحكمون في مصائر الشعب ليسوا بأفضل حالاً ممن يحاربونهم، إن لم يكونوا أسوأ في نظر الكثيرين.


س. هل ترون رابطاً مباشراً بين هذا التهميش الاقتصادي العام وما تصفونه بإقصاء أبناء البحر الأحمر من التوظيف؟ 

ج. لا، في الملف الاقتصادي عام وما يميّز البحر الأحمر الموانئ وغيرها، والتهميش سمة وعار يلاحق النخبة المركزية الحاكمة التي كانت بيننا في البحر الأحمر ولم تقدّم له شيئاً، بل تركتهم عطشى وتحت وطأة الظلام تحت هجير حارق، ولم نتوقع منهم شيئاً لأنهم لا يؤمنون بالعدالة والمشاركة إلا عبر فوهة البندقية والاتفاقيات الثنائية التي يحتكمون إليها.



س. ما الفارق في المعاملة بين ولايتي الشمالية ونهر النيل من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى؟

ج. هناك عوامل وبيئة مختلفة بين البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، حيث الزراعة والنيل وغيرها من الأنشطة التي تكاد تكون غير متوفرة في البحر الأحمر، بمجتمع يقوم على العمالة في الموانئ وغيرها، بالإضافة إلى الامتيازات التاريخية المتعلقة بالتعليم، وارتباط تلك المجتمعات بالمدن والهجرات وغيرها، وسهولة الحركة والمصانع المنتشرة وغيرها.


س. وصفتم القضية بأنها معركة ضد «المتخاذلين». من تقصدون بهذا الوصف تحديداً؟

ج. معركة القضية بدأت منذ العام 1958، وفي مقدمة مطالبها الحكم الفدرالي لشرق السودان، وكل من تخاذل عن تلك القضية ورأى في المنصب والاستوزار مكسباً شخصياً يكون في صف المتخاذلين، ولن يؤثر على القضية، وغداً يسقط ويذهب وغير مأسوف عليه.


س. هل هذا الموقف يمثل رأي مجلس نظارات البجا بأكمله، أم فريقكم تحديداً في ظل الانقسام مع فريق الناظر ترك؟

ج. أنا أتحدث عن رأيي الشخصي وتجربتي في أدبيات المبادئ الأساسية للمجلس والقضية، ولن نحيد عنها، وهذا الرأي والحديث لكل من يرى المواصلة في درب القضية والنضال، مع احترامي الكامل لكل الرفاق داخل المجلس وخارجه.


س. في الختام سيد أوبشار  ما الرسالة الأخيرة التي تودّون توجيهها لصنّاع القرار في المركز؟

ج. رسالتي لصناع القرار هي أن سياسة الانفراد بالرأي وإدارة الملفات بعقلية (أمنية) لن تجدي نفعاً، ولن تقود الوطن إلى بر الأمان. كما أن عسكرة الجهاز التنفيذي في الدولة تزيد من الهوة والشقاق أكثر، وخاصة بعد أن وقف عامة الشعب مع جيشه أضحت بعض المواقف التي يقع فيها بعض قادة جهازه التنفيذي من ولاة الولايات والسفراء من الجيش، الذي يطغى عليهم طابع العلاقة الخاصة بين الدفعة وصلات القربى، أضحوا عبئاً ثقيلاً لعدم درايتهم بالتعامل مع الموضوع، مما زاد من غبننا على جهات يحترمها الشعب ووقف معها. كما أن عدم إشراك المواطن في صناعة القرار يظل مدخلاً للتهور وعدم الحفاظ على الوطن، وعليه يجب أن تكون الحكمة وعدم تكرار التجارب الفاشلة جسراً لبناء الثقة والوطن.



صحيفة العودة ١٢ أكتوبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى