المخرج سيف الدين حسن، صانع الوثائقيات في ضيافة «قيلولة» على «منصة العودة» (١)

وثقّت للخرطوم كمحاولة لإنقاذ ذاكرة المدينة من النسيان


الصورة لا تستطيع إحياء المدينة بكل تأكيد لكنها تمنع اختفاء قصتها


التوثيق ليوميات الحرب ممكن يكون شهادة مسجلة ومادة أساسية في كتابة التاريخ


دورنا كصناع وثائقيات حفظ المادة الخام كما هي بأحداثها دون اختلاق او انتقائية مضللة


يمكن للصورة أن تدخل في الجانب القانوني ومساعدة العدالة كما حدث في الكثير من الحروب


لا احد يستطيع أن يحتكر الحقيقة أو الرواية الحقيقية للأحداث ولكن نحن نوثق شهادات متعددة ونحتفظ بالأدلة


اذا انتهت الحرب غدا.. ماذا سيبقى منها إذا لم نوثق لها ؟


الافلام الوثائقية لديها قيمة كبيرة في التوثيق للحروب والمُخرج «شاهد ملك»


من يعقد المقارنة بين (ارض السمر).. والسودان الآن سيعرف الى أي مدى تم تدمير السودان دمارا ممنهجا


رصد: العودة


جاءت حرب ابريل، فتغيرت الصورة، وصارت شاهدة على اكثر مراحل السودان قساوة، قبل هذه الحرب، وبعدها تبدو تجربة صانع الوثائقيات المبدع الأستاذ سيف الدين حسن، جديرة بالتوقف عندها، ما بين السودان الذي وثق له عبر مشروعه الشهير (ارض السمر) وغيره من الأعمال الوثائقية، والسودان الذي وجد نفسه يوثق له بعدها، لتمتد الحكاية عبر ذاكرة المكان، وتاريخ الصورة، فمرحبا بك استاذ سيف الدين حسن في برنامج (قيلولة) على (منصة العودة) الذي تعده وتقدمه الزميلة الاستاذة (منى ابوزيد)..

 

# قضيت سنوات من عمرك توثق للإنسان، وبعد تحرير الخرطوم كنت هناك، ووثقت للمدينة المدمرة، ماذا كان يدور في داخلك ؟

 

انا في الحقيقة قضيت سنوات من عمري مهتم جدا بزوايا النظر إلى السودان، إلى الإنسان، إلى الجمال، كنت ابحث عن السودان الذي يستحق يرى، انسانه وتنوعه وثقافته وثراءه، هذا البلد ليست مجرد جغرافيا بل حياة وثقافة وذاكرة، بعد الحرب وجدت نفسي امام سودان اخر، وربما رأيت الوجه الآخر الذي لم يكن صادما فحسب، بل دمرت الحرب كل شيء، أهلكت الحرث والنسل، شردت الناس، وقتلت، ودمرت الحياة في كل مستوياتها، والفرق هنا أنني كنت أوثق جمال الحياة، وأصبحت الان أوثق ما تعرضت له هذه الحياة من فقد حقيقي.

 

# إذن ذات الكاميرا التي كانت توثق لجمال الحياة في السودان أصبحت تبحث عن دليل لما حدث له ؟

 

هذا صحيح إلى حد كبير، قبل الحرب كانت الكاميرا تبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة، بعد الحرب أصبحت أيضا ابحث عن أشياء ربما اختفت، وربما بدأ الناس يبحثون عنها، لذلك وجدت أن المسافة كم هي بعيدة وكم هو البون شاسعا بين الحياة التي مضت من تاريخ السودان، والشيء الذي استقبله الناس في ظل هذه الحرب.

 

# هل كنت تصور الخرطوم كمدينة مدمرة ام كنت تحاول أن توثق لها من النسيان ؟

 

حقيقة كنت احاول إنقاذ ذاكرة هذه المدينة من النسيان، والمدينة ليست مبانيها فقط، المدينة هي الناس والأصوات هي الأزقة والروائح وهي القصص التي عاشها الناس في تلك الأمكنة، فكنت احاول أن استحضر ما كان موجودا هنا قبل أن يصل اليه الخراب، الصورة لا تستطيع إحياء المدينة بكل تأكيد، لكنها تستطيع أن تمنع اختفاء قصتها.

 

# هل الكاميرا تجعل صاحبها يعايش الالم من خلال العدسة ام أنها تجعلها أكثر التصاقا بهذا الالم ؟

 

الكاميرا تعطيك المسافة المهنية ولكنها لا تمنحك حصانة إنسانية، لانك خلف الكاميرا لا تكون قادرا على التركيز في غير الإضاءة والمسافة والأبعاد والزوايا ولكن لا تنسى البعد الإنساني، لانك في النهاية انسان وترى كيف يموت الناس، وكيف يتم انتهاك أعراضهم وكيف يتم تعذيبهم، اعتقد انك سوف تكون أسيرا لمشاعر مثل هذي، خلف هذا الضوء وخلف هذه العدسة.

 

# ما الذي سوف يبقى من هذه الحرب وما الذي سيندثر إذا لم نوثق لهذه الحرب ؟

 

اذا انتهت الحرب غدا، ماذا سيبقى منها إذا لم نوثق لها، فعلا هذا هو السؤال الذي تقول إجابته أنه سيبقى ما يتذكره الناس، وما يكتبه المؤرخون، ولكن هنالك الكثير من التفاصيل التي ستضيع وستختفي بعض أصوات الناجين وسوف تختفي بعض الملامح، وتغيير بعض الأمكنة وتفاصيل الحياة اليومية التي لم تسجل في البيانات الرسمية، ولم توثقها اليوميات الخاصة بالعدسة، وستكون مجرد رواية ولكن الصورة دائما تسجل كل اللحظات وتسجل تداعيات اللحظة فتبقى هي الافضل موثوقية وأكثر خلودا في تقديري.

 

# هل التوثيق في زمن الحرب هو مجرد تسجيل لما حدث ام هو نوع من انواع الشهادة التي يمكن أن تدخل لاحقا في كتابة تاريخ البلاد نفسه ؟

 

انا أعتقد أن انو التوثيق ممكن يكون تسجيل وشهادة ومادة أساسية في كتابة التاريخ، لكن الصورة لوحدها لا تصنع التاريخ، لأن التاريخ يحتاج لسياق ومصادر وإيجاد مقارنات بين جميع الروايات، ودورنا نحن كصناع وثائقيات ومخرجين أن نحفظ هذه المادة الخام كما هي باحداثها في ذات سياقها دون اختلاق او انتقائية مضللة بعدها يأتي الناس للحديث عن هذه المشاهد وإيجاد التفسير ومقارنتها مع جميع الروايات الأخرى كشهود للروايات التاريخية حتى يصلوا حولها للحقائق لكن تظل الكاميرا والصورة هي الشاهد رقم واحد في تقديري.

 

# وهل يمكن للصورة أن تدخل في الجانب القانوني ومساعدة العدالة ؟

 

نعم وهذا حدث في كثير من جرائم الحرب التي حدثت في العالم ومازالت الشهادات حية تنبض بالحياة في كثير من المواقع التي دارت فيها الحروب الكبيرة.

 

# في الحروب، هل ترى أن الكاميرا يمكن أن تساعد في تثبيت الحقيقة حتى لا يكتبها المنتصر وحده ؟

 

لا احد يستطيع أن يحتكر الحقيقة، أو الرواية الحقيقية للأحداث، ولكن نحن نوثق شهادات متعددة، ونحتفظ بأدلة واعتقد هذا يمنح الأجيال القادمة فرصة لمراجعة الروايات الرسمية وهي احيانا متضاربة وهنالك أكثر من رواية، التوثيق دائما للمستقبل وللتحقق أيضا والارشفة والبحث العلمي أيضا، ومهمتنا نحن هي أن نساهم في بناء هذه المنظومة كصناع وثائقيات وافلام.

 

# متى يتحول العمل الوثائقي إلى وثيقة تاريخية ومن هو الذي يملك تحديد ذلك ؟

 

الافلام الوثائقية لا نقول انها تمتلك الحقيقة وحدها، ولكن من خلال الشهادات والصور والمعلومات الموثقة ومن خلال السياق الواضح، تظل عندها قيمة كبيرة، والمخرج يستطيع أن يكون شاهد ملك في مثل هذه الأحداث لانه رأى كل شيء.

 

# ما الذي تريد أن يعرفه السوداني الذي يولد بعد عشرين عاما من هذه الحرب، من توثيقك لما حدث في الخرطوم ؟

 

انا حقيقة اريد أن يعرف الناس أن ما شاهدوه عن السودان وصور الخراب، ليس هو السودان الذي كان زاهيا ومثمرا وناهضا وفيه حياة، ولكن عندما نأتي لنسأل الان عن ما الذي نفعله، سنجد صورة مختلفة، صحيح ربما تقاطعت الروايات، ولكن أنا أعتقد أن الأجيال القادمة بعد عشرين عاما عليهم أن يتذكروا أن هنالك صورة أخرى خالدة، نحن في مشروع (ارض السمر) عبر سبع سنوات وعبر خمس مواسم وعبر مائة فيلم وثائقي حفظنا للسودان سيرته وقدمنا السودان كما لم يره أحد، بل حيواته وتاريخه وانسانه ونهضته وفي كل مجال واي زول يعقد المقارنة بين ارض السمر التي باتت الان في الاضابير والأرشيف وذاكرة الناس، ويرى الصورة الحديثة وسنوات الخراب والحرب التي قادتها مليشيا التمرد يستطيع أن يعرف الى أي مدى تم تدمير السودان دمارا ممنهجا وكيف كان السودان قبل أن تطأ ارجل المليشيا إلى أرضه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى