الإعيسر ونظيره الأذربيجاني.. لبنة التعاون الثقافي المشترك

بقلم: علاء الدين محمد ابكر

في خطوة تاريخية غير مسبوقة وتستحق أن تتوقف عندها كثيرا، قاد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة الأستاذ خالد الإعيسر وفد السودان لطرق أبواب آسيا الوسطى والقوقاز، لتعريف شعوب تلك المنطقة المهمة من العالم بالسودان، وهذا إنجاز وطني كبير يحسب له بكل المقاييس، حيث لم يسبق أن قامت وزارة الثقافة في السودان في السابق بهذه الخطوة الاستراتيجية لتعريف إنسان تلك البقعة من العالم بتراث السودان وحضارته.

فمنذ استقلال السودان في عام 1956 ظلت الدبلوماسية الثقافية السودانية أسيرة للمحاور التقليدية، القاهرة والرياض ولندن وواشنطن، بينما أهملنا تماما فضاءات واسعة ومهمة في آسيا الوسطى وشرق أوروبا والقوقاز، وهي مناطق تتقاطع معنا في الدين والتاريخ وتملك تجارب نهضوية تستحق أن نستفيد منها ونفيدها. فجاءت زيارة الإعيسر لتكسر هذا الجمود التاريخي وتفتح نافذة جديدة كان يجب أن تفتح منذ عقود.

إن زيارة الوزير خالد الإعيسر إلى جمهورية أذربيجان الصديقة ومشاركته في منتدى حوار الحضارات بالعاصمة باكو، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية عابرة أو حضور لمؤتمر ينتهي بانتهاء فعالياته، بل كانت زيارة تحمل في طياتها مشروعا ثقافيا متكاملا ورؤية استراتيجية لإعادة وضع السودان في الخارطة الثقافية العالمية بعد سنوات طويلة من الانكفاء والعزلة التي فرضتها ظروف الحرب والحصار وضعف الإمكانيات.

وعندما التقى الإعيسر بنظيره الأذربيجاني السيد عادل كريملي، لم يكن اللقاء لقاء مجاملات دبلوماسية، بل كان لقاء عمل حقيقي، بحث فيه الوزيران بجدية سبل تعزيز التعاون الثقافي وتطوير الشراكة الثنائية بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون المشترك. وما تمخض عن اللقاء من اتفاق على المضي قدما في إعداد مذكرة تفاهم للتعاون الثقافي المشترك تمهيدا للتوقيع عليها خلال الفترة المقبلة، يمثل اللبنة الأولى الحقيقية لبناء شراكة استراتيجية بين الخرطوم وباكو.

هذه المذكرة المرتقبة ليست مجرد ورقة، بل هي إطار مؤسسي ينظم التعاون ويحدد مجالات العمل ذات الأولوية ويفتح المجال أمام تنفيذ برامج ومشروعات مشتركة في التدريب والتأهيل والتعاون في مجال الآثار وتبادل الخبرات وتنظيم الفعاليات والمناشط الثقافية والفنية، وهي مجالات يحتاجها السودان بشدة.

وما يميز هذا التحرك الذكي أن أذربيجان نفسها دولة ذات تجربة ثقافية رائدة وملهمة، فهذه الدولة التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991 استطاعت خلال أقل من ثلاثة عقود أن تحول ثقافتها وتراثها إلى أداة قوية للدبلوماسية الناعمة، وأن تجعل من عاصمتها باكو عاصمة عالمية لحوار الحضارات والثقافات، وأن تستثمر عائدات النفط في بناء متاحف عالمية ومراكز ثقافية ضخمة وترميم آثارها الإسلامية والقديمة باحترافية عالية.

فالاستفادة من التجربة الأذربيجانية في مجال الآثار وترميم المتاحف والتدريب الموسيقي والتأهيل الفني ستكون مكسبا كبيرا للسودان، السودان الذي يملك أكثر من 300 هرم في البجراوية ونوري وجبل البركل، وأكثر من 10 آلاف موقع أثري لم يكتشف منها إلا أقل من 10 بالمائة، ويمتلك متاحف تعاني من الإهمال ونقص التأهيل وتحتاج إلى خبرات دولية لترميمها وصيانتها وفق أحدث المعايير العالمية.

لقد أحسن الوزير خالد الإعيسر صنعا حينما أكد في لقائه أن التعاون الثقافي يمثل ركيزة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، لما للثقافة من دور محوري في تعزيز التقارب بين الشعوب وترسيخ التفاهم المتبادل وبناء جسور التواصل بين الأمم. فالثقافة هي التي تبقى حين تزول السياسة، وهي التي تبني جسور المحبة حين تهدم المصالح والصراعات الجسور الأخرى.

والشعب السوداني والشعب الأذربيجاني يتشاركان في الكثير من القيم والمشتركات، فقيم الإسلام والتسامح الديني والتعايش بين المذاهب والأديان حاضرة في البلدين، وحب التراث والتمسك بالهوية والاعتزاز بالتاريخ كلها قواسم مشتركة تجعل من التعاون بينهما تعاونا طبيعيا وسهل الاندماج.

إننا نحتاج اليوم وبشدة إلى مثل هذه الانفتاحات الذكية التي يقودها الإعيسر، فالسودان لا يجب أن يظل حبيس صور الحرب والمجاعة والنزوح التي يروج لها الإعلام الخارجي المغرض، بل يجب أن يعرف العالم أن في السودان حضارة كرمة ونبتة ومروي التي سبقت الفراعنة، وفيه إرث صوفي غني ومتسامح، وفيه تنوع ثقافي وعرقي لا مثيل له في العالم، فيه ثقافة البجا والفور والزغاوة والنوبة والشايقية والهدندوة والفلاتة والرزيقات، هذا التنوع الثقافي الهائل هو الذي يجب أن نقدمه للعالم كرسالة سلام ومحبة.

كما أن المهرجانات والفعاليات الثقافية والفنية التي تحدث عنها الوزيران يمكن أن تشكل قنوات فاعلة للدبلوماسية الثقافية، فلماذا لا نرى أياما ثقافية سودانية في باكو وأياما ثقافية أذربيجانية في بورتسودان؟ ولماذا لا نرى معارض مشتركة للآثار السودانية الأذربيجانية؟ ولماذا لا نرى تبادلا طلابيا في مجال الموسيقى والآثار؟ كل هذه الأفكار يمكن أن تتحول إلى واقع إذا خلصت النوايا.

تحية من القلب للوزير خالد الإعيسر وهو يفتح أبواب آسيا الوسطى والقوقاز أمام الثقافة السودانية بكل اقتدار وثقة، ونتمنى أن تتبع هذه الخطوة التاريخية خطوات أخرى أكثر جرأة نحو تركيا وجورجيا وكازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، ليعود السودان إلى موقعه الطبيعي كمركز إشعاع ثقافي وحضاري يربط بين أفريقيا وآسيا والعالم العربي والإسلامي.

فما قام به الإعيسر في باكو ليس مجرد لقاء عابر، بل هو وضع أول لبنة حقيقية وصلبة في جدار التعاون الثقافي المشترك بين البلدين، لبنة نأمل ونثق أن يعلو فوقها بنيان كبير وشامخ من الشراكة والمحبة والمصالح المشتركة التي تخدم الشعبين الصديقين وتفتح آفاقا أرحب لمستقبل أفضل.

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى