ما وراء البحر

هوامش السيادة/ بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

□ في السياسة، لا تُقرأ الزيارات دائماً بما يظهر في الصور، ولا تُقاس نتائجها بعدد التصريحات التي تعقبها. أحياناً تكون الجغرافيا أبلغ من البيان، ويكون الموقع الذي تجلس عليه الدولة في حسابات الآخرين أهم من الكلمات التي تُقال في قاعات الاجتماعات. ومن هنا تبدو زيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان إلى موسكو، ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الأفريقية، أكبر من مجرد محطة في جدول العلاقات الثنائية.

□ البرهان وضع البحر الأحمر في قلب الحديث، لا بوصفه واجهة جغرافية للسودان، وإنما باعتباره مساحة لمصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة. طرح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحله، تتيح لروسيا إقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، وتحدث عن فرص مشاركة الشركات الروسية في تطوير شبكة السكك الحديدية، إلى جانب إتاحة مواقع للاستثمار في الذهب والنحاس وموارد أخرى.

□ في هذه التفاصيل ما يستحق التوقف. فروسيا، بما تملكه من ثقل اقتصادي وصناعي وعسكري، تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً بالغ الأهمية في حركة التجارة الدولية، والسودان يملك شريطاً ساحلياً وموانئ وموقعاً جغرافياً يضعه في قلب هذه الحسابات. وبين الموقعين، الروسي والسوداني، تتشكل مساحة مصالح لا يصح اختزالها في زيارة بروتوكولية أو مجاملة سياسية.

□ المنطقة الاقتصادية المقترحة تحمل دلالة تتجاوز تخزين الوقود والقمح. إنها تضع احتمال نشوء مركز تجاري ولوجستي على الساحل السوداني، له صلة بحركة الإمداد والأسواق وخطوط النقل. أما السكك الحديدية، فقصتها أعمق من مجرد تحديث وسيلة مواصلات؛ فهي ذاكرة اقتصاد كان يربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، ثم ترك الإهمال والتراجع آثاراً ثقيلة على شبكة كان يمكن أن تكون أحد أعمدة النهضة الاقتصادية.

□ ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المشهد أن السودان لم يظهر في الحديث باعتباره بلداً يبحث عن مساعدة عاجلة فحسب، وإنما بلداً يطرح إمكاناته وموقعه ضمن معادلة تعاون طويلة الأمد. وهذه نقلة في طبيعة الخطاب تستحق الانتباه؛ فالفارق كبير بين دولة تعرض احتياجاتها وحدها، ودولة تضع أمام شركائها ما تملكه من فرص ومصالح مشتركة.

□ بوتين، من جانبه، أبدى اهتماماً بتطوير التعاون مع السودان في مجالات الصناعة والتعليم والصحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وأشار إلى خريطة طريق لمجالات التعاون الواعدة. كما أن الحديث عن تطوير العلاقات إلى مستوى أوسع يمنح الزيارة بعداً يتجاوز الملفات العاجلة، ويفتح الباب أمام قراءة مستقبل العلاقة بين الخرطوم وموسكو.

□ لكن في الزيارة مساحة أخرى لا تقل أهمية عن التصريحات المعلنة؛ فاللقاء المغلق بين الرئيسين يظل جزءاً من المشهد، حتى وإن لم تُنشر تفاصيل ما دار فيه. ومن الطبيعي أن تظل بعض الملفات في الغرف المغلقة، خصوصاً في العلاقات التي تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والأمن. غير أن غياب التفاصيل لا يبرر اختراعها، كما أن ما ظهر إلى العلن يكفي ليدل على أن الحديث تجاوز المجاملات الدبلوماسية المعتادة.

□ وللجانب السياسي حضوره الواضح. فقد عبّر البرهان عن تقدير السودان للمواقف الروسية في مجلس الأمن، وأشار إلى موقف موسكو من القرار 1591، كما أكد أن السلام في السودان ينبغي أن يكون سودانياً، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. وهي رسالة تحمل معنى يتصل بحق الدولة في أن تكون صاحبة القرار في مستقبلها، وألا تتحول أزمتها إلى ساحة تتنازعها المبادرات والحسابات الدولية.

□ وليس خافياً أن روسيا نفسها تتحرك في فضاء دولي شديد التعقيد، وأن مصالحها في أفريقيا والبحر الأحمر تتصل بالتجارة والطاقة والنفوذ والعلاقات السياسية. لذلك فإن قراءة التقارب السوداني الروسي بعيداً عن هذه المعطيات تفقد جزءاً مهماً من معناها. فالدول لا تتحرك بدافع المجاملة، ولا تمنح اهتمامها الاستراتيجي بلا حسابات. ولكل طرف مصالحه، وتلك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن قراءة المشهد.

□ سبعون عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين السودان وروسيا، وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بتاريخ قديم إلى النظر فيما يمكن أن يضيفه هذا التاريخ للمستقبل. فالسودان الذي عرف السكك الحديدية والموانئ وحركة التجارة، لا يحتاج إلى اكتشاف قيمة موقعه من جديد، بقدر ما يحتاج إلى أن يرى هذه القيمة حاضرة في مشروعات حقيقية، لا في خرائط الطموحات وحدها.

ولهوامش السيادة كلمة

□ ما وراء البحر أبعد من منشآت تخزين الوقود والقمح، وأوسع من مشروع للسكك الحديدية. هناك موقع يزداد وزنه في حسابات العالم، وهناك دولة تملك من الجغرافيا والموارد ما يجعل حضورها في هذه الحسابات أمراً طبيعياً. واللافت أن البرهان حمل إلى موسكو حديثاً عن المصالح والفرص، في وقت ظل فيه السودان طويلاً حاضراً في الأخبار من بوابة أزماته. وربما تكون هذه إحدى أهم دلالات الزيارة؛ أن يُعاد النظر إلى السودان من نافذة ما يملكه، لا من نافذة ما يمر به. فالبحر الأحمر لا ينتظر من يكتشف أهميته، لكنه يظل شاهداً على الفرق بين بلد يملك الموقع، وبلد يعرف كيف يحضر في معادلة العالم.
////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى