مولانا كمال محمد الأمين يكتب: لجنةٌ تُقرّ بخطئها… وتُكافئ نفسها بالرفض

دعوني أحدّثكم اليوم الجمعة عن شيء لم أكن أتوقع أن أراه في عالم القانون الرياضي — وقد رأيتُ فيه الكثير من العجب والأعجب. أحدّثكم عن لجنةٍ اعترفت بخطئها، ثم أصدرت قرارها كأنها لم تخطئ. هذا ليس مجازاً ولا مبالغة، بل هو ما جرى يوم التاسع من أبريل في مقرّ الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، حين رفضت لجنة الانضباط شكوى نادي الهلال السوداني، في الوقت الذي أقرّت فيه — ولو بصمت ضمني — أن رفع الإيقاف المؤقت عن اللاعب حمزة الموسوي كان خطأً إجرائياً.
وهل تعلم، يا من تقرأ، ما معنى أن تُقرّ بخطئك ثم تُكافئ من انتفع بهذا الخطأ؟ إنه كمن يقول للسارق: نعم، بابك كان مفتوحاً، فانتفع السارق من ذلك، ولن نردّ عليك ما أُخذ منك لأن السارق لم يُخطئ حين دخل!
أولاً: الأخطاء الإجرائية — وهي جسيمة
أما الأخطاء الإجرائية فتكاد تسدّ الأفق من كثرتها، ولنبدأ بأعظمها وأوضحها:
رئيس الجلسة عثمان كين كان هو ذاته الذي أصدر قرار رفع الإيقاف المؤقت عن اللاعب — القرار الذي كان موضع الطعن والخلاف بالأصل — ثم جلس ليترأس الجلسة التي تنظر في الطعن على هذا القرار . فأيّ عقل يقبل هذا؟ وأيّ قانون يُجيزه؟ إن القاعدة الذهبية التي لا يختلف عليها اثنان في تاريخ الفقه القانوني منذ أيام الرومان حتى اليوم هي أن الإنسان لا يحكم في قضيته، ولا يكون خصماً وحكماً في آنٍ واحد. وهذا ليس رأياً، بل هو من البداهات التي لا تحتاج إلى دليل.
وزاد الطين بلّة أن الطرف الآخر — نهضة بركان — كان على علم مسبق بتشكيل اللجنة، فيما لم يُشرك الهلال في الاجتماع الذي اعتمد هذا التشكيل.
فكيف تُعقد جلسة يعرف أحد طرفيها مسبقاً من سيجلس على كرسي القضاء، ولا يعرف الطرف الآخر شيئاً من ذلك؟ هذه ليست مساواة في التقاضي، هذه مسرحية كُتب نصّها قبل أن يصعد الممثلون إلى الخشبة.
وأما ما جرى داخل الجلسة، فقد كان أشد وطأةً: أحد أعضاء اللجنة صرّح بأنه غير قادر على فهم اللغة الإنجليزية التي تُدار بها الجلسة، وهو ما يعني أنه كان يصوّت دون أن يفهم — لا على المرافعات ولا على الحجج — وهذا في حد ذاته يُفسد صحة التصويت من أساسه. وفوق ذلك كله، استُبعد ممثلو الهلال القانونيون فجأة أثناء المداولات والتصويت، دون أي مسوّغ.
وقد قيل للهلال — من باب ما سُرّب ولم يُعلَن — بأن ثمة معلومات بالغة الأهمية لم تُبلَّغ لممثليه القانونيين الرسميين الحاضرين في القاعة، بل أُبلغت بصورة غير رسمية ودون توثيق، بل ذهب بعضهم إلى اقتراح — من غير أي مبرر — أن يُغيّر الهلال ممثليه القانونيين!
فهل رأيتَ مثل هذا في تاريخ التحكيم الرياضي؟
ثانياً: الأخطاء الموضوعية — وهي في صميم المسألة
أما على الجانب الموضوعي، فالمسألة تتمحور حول سؤال جوهري واحد: هل كان رفع الإيقاف المؤقت مشروعاً؟ واللجنة — في شيء من الغرابة — أقرّت بأنه لم يكن على الوجه القانوني الصحيح، غير أنها أضافت أن نهضة بركان والموسوي لم يُخطئا لأنهما اتبعا ما أصدرته اللجنة نفسها!
وهذه مغالطة ذكية، لكنها لا تصمد أمام الفحص القانوني. ذلك أن الاتحاد الأفريقي وافق على طلب رفع الإيقاف في ظرف ثلاثة أيام فقط، دون تقديم أي مبررات، ودون عقد جلسة استماع، ودون استيفاء الشروط المنصوص عليها في المادتين الخامسة والثلاثين والسادسة والثلاثين من لوائح مكافحة المنشطات التابعة للفيفا لعام 2021، ولم تتم استشارة أي طرف آخر .
ثم إن المادة التي استندت إليها اللجنة لتبرير رفع الإيقاف لا تُجيز ذلك إلا في حالات محددة وضيقة، كأن يثبت أن المادة المحظورة ناتجة عن تلوث في المنتجات، أو أن الإيقاف سيخلق ظلماً واضحاً في ظروف استثنائية — وكلا الشرطين لم يُستوفَ ولم يُزعم استيفاؤه. ومن الثابت أن الموسوي تنازل عن حقه في تحليل العينة (ب)، مما يعني اعترافاً ضمنياً بإيجابية النتيجة فأيّ استثناء يبقى ممكناً بعد ذلك؟
ثالثاً: الخطوات التي ينبغي أن يسلكها الهلال.. والآن، ما السبيل أمام الهلال وقد صدر القرار بما صدر؟
أوّلاً: تقدّم الهلال بالفعل بطلب عاجل للجنة الاستئنافات بالاتحاد الأفريقي، مطالباً بتأجيل مباراة نهضة بركان والجيش الملكي، مستنداً إلى أربع مواد من لائحة الانضباط تُجيز هذا الطلب الاحترازي. وهذه خطوة صحيحة في توقيتها، غير أنها لا تكفي وحدها.
ثانياً: الطعن أمام لجنة الاستئنافات في الكاف خلال المدة المقررة في اللوائح — وهي عادةً لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ التبليغ بالقرار — بوثيقة استئناف مفصّلة تُجمع فيها كل العيوب الإجرائية والموضوعية التي وقعت خلال الجلسة، وتُوثَّق بالمستندات الكافية، خاصة ما يتعلق بتضارب المصالح وعدم أهلية هيئة التحكيم.
ثالثاً: وإن لم تُنصف لجنة الاستئنافات — وهو أمر قائم الاحتمال في ضوء ما رأينا — فإن الطريق إلى محكمة التحكيم الرياضي (CAS) في لوزان مفتوح ومضمون. وقد أبدى الهلال استعداده لهذا المسار مراراً، على غرار ما فعلته السنغال حين لجأت إلى كاس طعناً في قرار الاتحاد الأفريقي بشأن نهائي كأس أمم أفريقيا. والجدير بالذكر أن محكمة التحكيم الرياضي لا تنظر فقط في مدى صحة القرار الموضوعي، بل تنظر في الإجراءات ذاتها، ومتى ثبت عيب جوهري في الإجراءات — كتضارب المصالح واستبعاد أحد الأطراف من التصويت — فإن القرار يُعدّ كأن لم يكن.
وفي كل ذلك يبقى سؤال معلّقاً في الهواء: هل يريد الاتحاد الأفريقي أن يكون مؤسسة عادلة تحترم نفسها، أم أنه يرضى بأن يقال عنه ما قيل عن سابقاتٍ في تاريخ المؤسسات الرياضية — إنه لجأ حين عجز عن الإصلاح إلى تكريم خطئه؟
لقد اعترفتِ يا لجنة بالخطأ. وهذا شيء. فهل تملكين شجاعة تصحيحه؟ أم أن الاعتراف عندكم مجرد صياغة لغوية تُحسنون بها ظاهر الكلام، ولا تقصدون به شيئاً سوى إسدال الستار.



