علم الدين عمر يكتب : الديموقراطية.. كتلة ضد نفسها !!!

حاجب الدهشة..
في السياسة قد تختلف المواقف.. وقد تتبدل الحسابات.. وقد تنشأ الخلافات داخل الأحزاب والتحالفات.. هذا طبيعي تماماً.. لكن أن تصدر عن الجسم السياسي ذاته روايتان متناقضتان بالكامل خلال ساعة زمنية واحدة.. فذلك يتجاوز الخلاف السياسي العابر.. ويكشف عن أزمة بنيوية توضح خللاً عميقاً في طبيعة التكوين نفسه..
هذا بالضبط ما حدث مع الكتلة الديمقراطية في ملف إجتماعات أديس أبابا..ففي الوقت الذي صدر فيه بيان رسمي مطول يحمل توقيع قيادات الكتلة (من الوزن الثقيل )..يعلن الإعتذار عن المشاركة في الإجتماعات ويرفض منهجها وإجراءاتها ويطعن في حيادية الجهات المنظمة لها..خرج بيان آخر من داخل الكتلة نفسها بتوقيع وحيد ووزن أخف..يؤكد أن وفداً رسمياً موجود بالفعل في أديس أبابا.. يمثل الكتلة الديمقراطية بصورة شرعية ومؤسسية..وأنه الجهة الوحيدة المخولة بالتحدث باسمها..
بين البيانين مسافة سياسية شاسعة يصعب ردمها بالتفسيرات الإجرائية أو الخلافات التنظيمية..فالبيان الأول يقول عملياً “لن نشارك”، بينما يقول الثاني: “لقد شاركنا بالفعل”.. الأول يشكك في العملية السياسية نفسها..والثاني يعتبر الإنخراط فيها واجباً وطنياً وأخلاقياً.. الأول يرفض.. والثاني يفاوض.. الأول يغادر القاعة.. والثاني يجلس على طاولاتها..
الأمر إذن لا يتعلق بأديس أبابا وحدها.. بل بطبيعة الكتلة الديمقراطية نفسها..
فهذا التحالف ظل منذ تأسيسه أقرب إلى مظلة تجمع أطرافاً متباينة في الخلفيات والأهداف والمصالح أكثر من كونه مشروعاً سياسياً موحداً..وفي مثل هذه الكيانات البراغماتية يصبح الإتفاق ممكناً ما دامت القضايا مؤجلة.. لكن عند لحظة إتخاذ القرار الحقيقي تظهر التناقضات الكامنة إلى السطح دفعة واحدة..
والمفارقة أن الأزمة الحالية لا تكشف فقط عن خلاف حول المشاركة من عدمها.. وإنما تكشف غياب مركز قرار واضح يمكنه أن يحسم الموقف النهائي بإسم المؤسسة إن جازت تسميتها..فإذا كانت قيادة الكتلة قد قررت المقاطعة،د..فمن الذي فوض الوفد الموجود في أديس أبابا؟ وإذا كان الوفد الموجود هناك هو الممثل الشرعي كما يقول البيان الثاني..فمن الذي أصدر بيان المقاطعة الموقع بأسماء أبرز قادة الكتلة؟..
هذه الأسئلة لا تخص الكتلة الديمقراطية وحدها..بل تمس واحدة من أكبر أزمات المشهد السياسي السوداني خلال السنوات الأخيرة..والمتمثل في ظاهرة الكتل والتحالفات الفضفاضة التي تتضخم سياسياً وإعلامياً أكثر مما تتماسك تنظيمياً وبرامجياً..
لقد آن الأوان لإعادة النظر في هذه الصيغة برمتها.. فالسودان لا يحتمل المزيد من الكيانات المركبة التي يصعب معرفة موقفها الحقيقي في القضايا المصيرية..السودان يحتاج إلى قوى سياسية واضحة المعالم..معلومة الحجم..محددة البرنامج..معروفة القاعدة الجماهيرية.. ويمكن مساءلتها ومحاسبتها على مواقفها..
إن تفكيك هذه التكتلات الهجين لا ينبغي أن يُنظر إليه كخسارة للعمل السياسي..فربما يكون هو البداية الضرورية لإعادة بناء المشهد السياسي على أسس أكثر صدقاً وشفافية..ووضوح.. فحين تعود كل قوة سياسية إلى جمهورها وبرنامجها ووزنها الحقيقي.. يصبح الحوار أكثر وضوحاً..والتنافس أكثر نزاهة..وواقعية.. والمشهد السياسي أقل ضجيجاً وأكثر جدية..
أما استمرار الأوضاع الحالية..حيث تصدر الكتلة الواحدة بياناً ونقيضه في اليوم نفسه والساعة ذاتها..فذلك لا يعكس أزمة موقف فحسب.. وإنما أزمة بنية سياسية كاملة تحتاج إلى مراجعة شجاعة قبل أن تطالب الآخرين بإصلاح الدولة وهي لم تنجح بعد في إصلاح نفسها..
نعود



