حكومة الأمل في “مطب” جبهة القضايا المطلبية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ما من شك في أن الحكومة، وهي تدير أزمة الحرب، استطاعت أن تدير جبهة الرأي العام بشكل وفر لها ظهيراً شعبياً ساند صندوقها القتالي، وأسست به على الدوام خطاب الحرب، سواء كان موجهاً للداخل أو خاطبت به المنصات الدولية، ولم يكن اختيار شعار “الكرامة” متجاوزاً لفكرة تأسيس جبهة وطنية موحدة باتجاه التمرد، والاستثمار بشكل أكبر في الشعور الوطني، وما خلفته قضايا الحرب من النهب والسلب والقتل والاغتصاب ومرارات النزوح واللجوء، يجعل من مخاطبة الوجدان الشعبي سهل الوصول إليه ليكون خادماً للخطاب الرسمي ولتوجهاته.
بالضرورة تظل الحرب عاملاً أساسياً في معادلة الأولويات، وهي المتغير الطارئ الذي جدّ على المشهد السوداني، فأعاد ورقة الأولويات إلى الحدود الدنيا من القضايا المطلبية في مقابل أولوية بقاء الدولة نفسها، تكون أو لا تكون، ولتمضِ أعوام الحرب وتظل هي “رئيس تحرير” الخبر الذي ينتظره الشعب السوداني بشغف القلق على مصير البلد، تسقط مدينة هنا ويتم تحرير أخرى، وأخبار الضحايا المدنيين هي “المانشيت”، والبعض كان يرى بأن من “العيب” الوطني أن تتبدل الأولويات لدى الشعب السوداني طالما أن “كرامته” مرتبطة بالحرب وليس بغيرها.
“الحرب” ولا شيء غيرها صارت هي الطريق “الدائري” المختصر الذي يجنب حكومة الأمل الازدحام الذي تسببه القضايا “المطلبية” لقطاعات الشعب السوداني، وصارت هي “العذر” الذي يسقط أي لافتة مطلبية، وهي التي حملت العبء عن كل وزير في الوزارات الخدمية على وجه الخصوص، فلا يحمل الهم بالرد على تقصيره في أداء المهام أو حتى الجهل بها، فقط لأن الحرب ترفع “الحرج” عن كل حقيبة وزارية.
(*) جبهة مطالب واسعة..
لم يكن الإضراب الذي دخل فيه قطاع واسع من المعلمين هو الاصطدام الأول الذي تدخل فيه الحكومة في مواجهة قطاع من القطاعات المؤثرة بسبب قضايا مطلبية، فما أن تهدأ الأحوال وتمتد أيام ربط الحجارة على البطون يبدأ الغليان الشعبي، وهنا لم تهدأ بعد الأنفاس من محاولات وزارة التعليم العالي في امتصاص صدمة إضراب العاملين بالتعليم العالي والضغط بسبب “هيكل الأجور”، جاء إضراب المعلمين بولاية الخرطوم وولاية الجزيرة، الشيء الذي أثر حتى في بداية العام الدراسي الذي يعاني بالأساس من اختلالات التقويم وتداخل الأعوام الدراسية.
التراخي في الأداء الحكومي، وعلى الرغم من الدفع المستمر بحجة الحرب في وجه القضايا الخدمية والمطلبية، كان سبباً منطقياً في ارتفاع الصوت “المطلبي”، والذي كشف عن تفاصيله بيان “لجنة المعلمين”، والذي تحدث عن تنصل الحكومة من التزاماتها السابقة، والتي اتضح بأنها لم تكن إلا “مراوغة” رسمية لامتصاص الهيجان المطلبي عن طريق تكتيك “كسب الزمن”، وهي التي لم تحرك ساكناً في “المتأخرات”، ناهيك عن ارتفاع تكلفة المعيشة، بسبب أن الحكومة خسرت معركتها الاقتصادية أمام “التضخم” وتناقص قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار.
والقراءة في كل اللافتات المرفوعة بأجندة مطلبية تقودنا إلى قياس المسافة البعيدة جداً بين وعي الجهاز الحكومي بخطورة النهايات التي ستنتهي عليها القضايا المطلبية حال تراكمها وازدياد لافتاتها المرفوعة. فعلى سبيل المثال، عندما نقرأ الأرقام الواردة في بيان لجنة المعلمين الأخير، فإننا نجد بأن الحد الأدنى للأجور، بحسب ما تراه الحكومة، يتوقف في حدود 12,000 جنيه، بحيث لا يستند على أي منطق اقتصادي يجعله يستطيع أن يقابل الحدود الدنيا من الحياة الكريمة ليوم أو يومين من الشهر، فطالب البيان الصادر من لجنة المعلمين برفع الحد الأدنى إلى 216,000 جنيه، مع الالتزام بسداد المتأخرات، والشيء الذي زاد من حدة المواقف في القضايا المطلبية هو أن الحكومة ظلت، وعلى الدوام، تلجأ للقراءة من الكتب القديمة في مواجهة القضايا المطلبية، إما بشيطنتها واتهامها بأنها لافتات مطلبية بغطاء “سياسي”، أو التلاعب بالعواطف بأن هنالك أولويات لا يجوز معها رفع لافتات مطلبية يمكن أن تؤجل، بحسب التوجه الحكومي، إلى وقت آخر.
وهنا يجب أن نشير بأن كل القضايا “المطلبية” الآخذة دائرتها في الاتساع لم تناقش “امتيازات” أو رفاهية للقطاعات المطالبة بذلك..
هي الحقوق الأصيلة من رواتب وأجور وعلاوات وبدلات ومتأخرات أقرتها القوانين واللوائح المعمول بها.
“لغة” الخطاب الحكومي أيضاً نعتقد بأنها لم تصغ بشكل يحترم عدالة المطالب المرفوعة، وأنها تركت لمن يعاني فقراً بالأساس في أدوات ضبط الخطاب الرسمي، ولموظفي دولة تسيطر عليهم رغباتهم الذاتية ورغبات رضا الجناب العالي في الحكومة، فكان المقابل الرسمي للقضايا المطلبية لدى المعلمين هو الإجبار على الإجازات “القسرية” بدون راتب أو اختيار ترك الخدمة إجبارياً، لتخسر الحكومة “حبل الثقة” الذي كان من الممكن أن يلعب أدواراً مهمة في تلطيف مسألة التفاوض على القضايا المطلبية.
وها هي تكاليف “الرعونة” الرسمية في تقدير تكاليف الموقف من القضايا المطلبية تظهر في قرار تأجيل بداية العام الدراسي في ولاية الجزيرة إلى منتصف شهر يونيو 2026م، بينما تعتقد الحكومة بأن ما جرى قد يمكن حصاره في حدود ولاية الجزيرة، صار من الواضح بأن الأمور صارت أكبر من قدرة وزارة التربية والتعليم، وأكبر من قدرة وزارة المالية في إدارة الموارد المتاحة بكثير، ولافتات القضايا المطلبية ارتفعت في ولاية كسلا والشمالية والنيل الأبيض.
“اللغة” التي استخدمت في كتابة بيان لجنة المعلمين تعكس، وبشكل واضح، بأن “الكيل” قد فاض بالعاملين في هذا القطاع، والذي وصفوا فيه ردة فعل الحكومة بالتجاوز للمطالب والالتفاف حولها بقرارات إدارية لا تعالج جذور الأزمة.
وعلى سبيل المثال، فإن تكتيك “تأجيل العام الدراسي” بولاية الجزيرة لا يقرأ بأي حال من الأحوال في إطار البحث الجاد عن سبل التعامل مع ما هو وارد في قائمة المطالب التي رفعتها لجنة المعلمين، بل هي خطة جربتها الحكومة في أوقات كثيرة ترى بأنها قد تمكنها من “الزوغان” من المطب المطلبي.
ليس من المجدي أن يكون المسعى الحكومي أن تضع كل القضايا “المطلبية” في “سلة” سياسية، وأن تنظر للمكتوب في قائمة المطالب من باب الجهات التي تتبنى هذه المطالب، لأن الواقع لا يحتاج لعميق دراسة حتى تفهم الحكومة حقيقة أن المطالب المرفوعة ليست أجندة سياسية، بل هي حقائق يعيشها قطاع المعلمين، وأن الراتب لم يعد كافياً لصون كرامة المعلم، ناهيك عن غيابه لمدة 14 شهراً، وأن الاتجاه الحكومي لرعاية “أجسام” بديلة تدعي تمثيلها لهذه القطاعات قد يؤجل المواجهة، لكنه لن يمنع اشتعالها.
أوراق “الدومينو” المطلبية المتساقطة امتدت الأسبوع المنصرم لتصل أقصى الولاية الشمالية في “عبري” بسبب تدني الخدمات في الكهرباء، وتأثر المدينة بالانقطاع المستمر وسوء الخدمة، ليكون التقدير لدوافع المواطنين في قضاياهم المطلبية، رفعت الحكومة “عصا” العسف السلطوي في مواجهة المحتجين، لتساعد في أن يصل صوتهم لأبعد من مدى سوء ظنها.
في مثل هذا الوقت من الحرب قد تجد الحكومة أصواتاً معروضة للإيجار، مدفوعة الأجر، تعيب على المواطنين مطالبهم المشروعة، بل و”تزايد” على وطنيتهم، وتمتن عليهم بحقوقهم التي هي في الأصل حقوق بموجب الدستور والمواطنة، فقط لأنها لا تريد أن تسمع الصوت المطلبي.
مزايدة “رخيصة” تلك التي تضع المطالبة بالحقوق في مقام إضعاف الحكومة وتشتيت انتباهها في الحرب، لأنها عندما طلبت ذلك في الاصطفاف إلى جانبها في معركة الوجود، وجدت من ذات القطاعات من هو مستعد للاصطفاف الوطني، ووجدت منهم من أمضى 14 شهراً “خنق” هو وأسرته انتظاراً للفرج، بينما ظل أسهل مهام الموظف الحكومي المتمتع برفاهية الوزارة والمزايا الحكومية أن يجد الأعذار لأولياء النعمة الحكومية.
وقبل أن تتحول القضايا المطلبية إلى ساحة مواجهة بين القطاعات المختلفة والحكومة، يجب أن تكون الخطوة الحكومية الأولى هي الاعتراف بعدالتها وحقهم بالمطالبة بها، لأن هذا بالمقام الأول يسهل من عملية التفاوض حول كيفية حلها والتعامل معها، وهذان شيئان مهمان ومنفصلان عن بعضهما تماماً، لأن التفكير الحكومي ظل على الدوام في تجاهلها والالتفاف عليها وشيطنتها، وهو سبيل يعقد عليها الحلول، والخطورة هنا ليست في ازدياد لافتات القضايا المطلبية، بل في تراكم حالة “الإحباط” وفقدان الثقة في الأداء الحكومي.
“التعبئة” هي مشروع الحكومة الوطني الذي تعول عليه كثيراً، ولذلك عليها أن تنصح وزراءها بعدم السعي لإفشاله بقضايا الضائقة المعيشية، لأن للصبر الشعبي حدوداً، وأن “التخدير” ببنج الظروف حتماً سيزول، ومعه لن تجدي أي عمليات سياسية أو اقتصادية في التعامل مع آثار هذه القضايا.
معلمو التعليم العام والعالي، ومواطنو منطقة عبري، واتساع جغرافيا المطالب، يجب أن يكون جرس الإنذار في أذن حكومة الدكتور/ كامل إدريس، وأول اختبار لقدرتها في امتحان مادة “الأمل”، والذي بددته وقائع يعيشها المواطن الآن، جعلت من الأمل “رفاهية” في حياة المواطن السوداني.



