أيمن كبوش يكتب .. أزمة ثقافة

أفياء..
# اعلم أن ما سأكتبه هنا.. في السطور التالية.. يمثل نوعا من الرفاهية والفياقة أو قولوا (الترف) في بلد تربى على (التكشيرة) والتجهم و(تقطيبة الجبين)..
# ربما كان البقاء الطويل في بلد آخر.. يقدم فيه الناس الخدمة فيما بينهم، اي خدمة، على طبق من الزهو والاحترام، يجعلك هذا أن تتمنى ذلك في بلدك.. الخدمة السريعة الممتازة.. الخدمة بروح حلوة ووجه منبسط مقبل على الدنيا.. مع انك هناك تدفع فلوسا وهنا تفعل ذات الشيء.. ولكن ما تحسه في بلدك كأنك تتسول الخدمة ولا تدفع مقابلها.
# في واحدة من شركات الاتصالات.. كان طلبي البسيط هو أن أحصل على شريحتي القديمة.. طلب مني موظف الشركة في شارع الوادي.. إثبات الشخصية.. فمنحته رخصة القيادة الجديدة.. قال لي هات الجواز أو البطاقة الشخصية.. قلت له لا احمل بطاقة ولكن معي صورة من الجواز.. ! رفض التعامل بذلك فسألته عن ما يعيب رخصة القيادة.. فقال لي: (يا بشر.. رخصتك دي ما فيها رقم وطني).. افزعني حقيقة خطاب (يا بشر) هذا.. فتمالكت اعصابي وعدت إلى المنزل لإحضار الجواز.. فلم يكتف الموظف بابتسامة أو اعتذار لطيف عن عسف اللوائح فبادرني مجددا: (ما كان من الاول.. جنكم جرجرة).. ليس ما بيني وهذا الموظف اي معروفة ولعلها المرة الأولى التي اشاهد فيها (دواس بدون غبينة) فقلت له في سري تحسبني هينا لأنني (بلا كدمول) يا (ابن ال……) وحملت شريحتي وغادرت.
# هذا السلوك.. ليس لدى موظف الاتصالات وحده.. بل في البنوك ومحطات الوقود والمستشفيات.. إذا طلبت (كباية شاي) ساكت تحس انك بتشحد.. حيث يأتيك الطلب بعد فترة انتظار طويل وكذلك بقية الخدمات.. إذا جلست في مطعم، ايا كانت فخامته، والطاولة غير نظيفة، الله يقول بقولك تسأل الموظف الاقرب اليك لمجرد أنه يرتدي الدباجة المميزة للمحل.. تأتيك الإجابة المفزعة منه.. (ده ما شغلي).. هب أنه ليس شغلك يا هداك الله.. فأنت تنتمي لهذا المكان.. وتأكل فيه عيشا.. فمن باب الذوق والأدب أن تُحيي السائل.. وتأتي بالمسؤول، ايا كان من هو سواء عامل النظافة أو مدير المطعم شخصيا.
# في الدولة التي كنا فيها.. نظيفة وظريفة والكل حنكو سنين.. تطربك أحاجي يا بيه ويا باشا والاقلهم أدبا يناديك (تأمرني بى ايه يا زول)..
# صحيح أن الالقاب هناك لا تطلق في الوضع المجاني.. ولكن يكفي أن حبل الادب ممدود حتى في حالة غياب المصلحة.. ولكن يعجبنا السلوك العام.. هذه البشاشة غير المصطنعة.. الرقي في التعامل مع بائع الخضار وحتى الطبيب المداوي، هذا الإجماع على الاحترام.. يدهشك فتجد التفسير الموضوعي لهذه النهضة التي يسهم فيها أبسط فرد في المجتمع بما يستطيع بمحبة مركوزة للبلد والناس، لن تجد ضجيجا في الأوركسترا ولا اي حلقة مفقودة في رتم المنظومة.. هذا لن يحدث بالصدفة.. بل هنالك ثقافة شعب.. ثقافة نوعية مبنية على قواعد ثابتة تتجاوز خدمة الزبون الى تبني رفاهيته وراحته.. عندما تشتري ربطة جرجير على تفاهة حملها وقيمتها.. تجد من يتبرع بعملية توصيلها.. وما يدلقه في أذنيك من معسول الكلام.. أقل أغلى وأعلى بكثير من قيمة الجنيه الواحد، ولكنك تخرج بقيمة أخرى هي أن هذا الشعب.. الكريم في غير تكلف، يعرف أهمية ما هو فيه من حياة، مهما كانت بساطتها، هذا يفعله من لم يجد طريقه الى سوح التعليم.. فما بالك بالعالم الجليل والنطاس البارع الذي يستقبل مكالمتك في الوقت الذي تريده انت المريض.. لا هو.. لأنه يدرك بأن المرض لا يعرف وقت الراحة ولا يوم الإجازة..
# أعود وأقول إن طالب الخدمة هناك لا يرهقه الا جيبه، أما هنا فجيبك.. وانسانيتك.. لا قيمة لهما إلا إذا حملتهما على (مارجريت) وتمردت على كل الكائنات الحية.



