المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء (16/16)

عصر السلطنات والبحث عن الهوية الجامعة

​حين استقرت الأمور لسلطنة سنار في وسط البلاد، لم تكن الساحة السودانية مجرد رقعة جغرافية صامتة تنتظر الأوامر من الحاضرة الجديدة؛ بل كانت الأرض تموج بحيوية وثراء تجسدا في قيام سلطنات وممالك وطنية مستقلة في الغرب والشرق والوسط. من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر، عاش السودان في ظل نظام السلطنات الفيدرالية والمستقلة التي تشترك في همّ واحد وهو البحث عن هوية جامعة تزاوج بين موروثات الأرض الإفريقية وتفاصيل الثقافة العربية والإسلامية، لتبدأ الملامح الكبرى للشخصية السودانية بخصوصيتها الروحية والاجتماعية الفريدة في التشكل بوضوح. نختم بذلك اليوم هذه السلسلة التي تعتبر مختصرا لتاريخ السودان القديم الممتد منذ نشأة كوش و حتى نشأة السلطنات .. لنبدأ سلسلة أخرى لمختصر جديد من تاريخنا الأوسط و الذي ينتهي بدخول محمد علي باشا ..

​سلطنة دارفور وإرث التنجر والفور:

في الغرب البعيد، كانت صحاري ومرتفعات دارفور تشهد مخاضاً حضارياً ثرياً؛ حيث قامت “سلطنة دارفور” الإسلامية عام 1640 م على أكتاف قبائل الفور الكبرى، بعد أن ورثت إرث “سلطنة التنجر” القديمة. شيد السلاطين، وعلى رأسهم السلطان الفذ “سليمان سولونق” عام 1696 م ومن بعده “عبد الرحمن الرشيد” عام 1787 م، دولة قوية اتخذت من الفاشر عاصمة لها، واعتمدت على تجارة القوافل عبر “درب الأربعين” الواصل إلى مصر. تميزت هذه السلطنة بخصوصية إدارية صارمة، حيث امتزجت الأعراف المحلية (الحواكير) بالفقه الإسلامي، وتحولت دارفور إلى مركز إشعاع حضاري يسير المحمل السنوي لكسوة الكعبة المشرفة في مكة.

​كردفان الممزقة ومملكة المسبعات:

في السهول الوسطى والغربية، كانت كردفان ساحة للصراع الجيوسياسي المحموم بين أطماع الفونج في الشرق وتطلعات سلاطين الفور في الغرب طوال القرن السابع عشر الميلادي. ومن رحم هذا النزاع المستمر، برزت “مملكة المسبعات” ككيان سياسي وعسكري مميز أسسته مجموعات مهاجرة تلاحمت مع السكان المحليين، وتأسست عاصمتهم في “الأبيض” و”بارا” حول عام 1700 م. عاشت المسبعات تاريخاً حافلاً بالمواجهات والتحالفات المتذبذبة بقيادة زعمائها مثل “الجنقاوي” عام 1750 م، وتحولت مدنها إلى أسواق تجارية كبرى لتبادل الصمغ العربي، الماشية، والريش، مما جعل كردفان بوتقة تنصهر فيها الثقافات.

​ممالك الشرق وثغور البجة والحلنقة:

لم ينعزل شرق السودان عن هذا الحراك العام، بل شهد استقراراً سياسياً قادته كيانات محلية صبغت المنطقة بهوية تجمع بين وعورة الجبال وأسرار البحر؛ حيث برزت جزيرة “سواكن” منذ عام 1517 م تحت النفوذ العثماني الاسمي كمركز تجاري وبحري دولي يربط السودان بالحجاز والهند. وتطور في الداخل نفوذ مملكة “الحلنقة” في منطقة كسلا الحالية ومحيط نهر القاش عام 1650 م، بجانب ممالك البجة الأخرى. أدارت هذه الكيانات شؤونها بحرية تامة مستندة على قوة قبائلها واحتكارها لطرق التجارة الشرقية، وحافظت على استقلالها الثقافي واللغوي (اللغة البجاوية/ التبداوية)، مشكلةً حائط صد شرقي يحمي الهوية العامة للبلاد.

​عصر الخلاوي والطرق الصوفية وصياغة الوجدان:

كان الوجدان السوداني في عصر السلطنات يحتاج إلى مادة لاصقة توحد هذه الشظايا الجغرافية المتناثرة، وظل هذا الدور بانتظار “الخلوة” ومسيد الشيخ الصوفي منذ دخول الشيخ “تاج الدين البهاري” إلى سنار عام 1575 م حاملاً الطريقة القادرية. وتأسست خلاوي القرآن الكريم ونبغ شيوخ كبار مثل “الشيخ إدريس ود الأرباب” عام 1600 م، والشيخ “حسن ود حسونة” عام 1640 م، والذين وثق كتاب “الطبقات” للشيخ ود ضيف الله سيرهم التاريخية. صاغت الطرق الصوفية تديناً سودانياً فريداً يميل إلى المحبة والمدايح، صاهراً بقايا كوش والنوبة ومهاجري العرب في قالب إنساني واحد، صمد حياً حتى دق الفتح التركي المصري أبواب البلاد عام 1821م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى