جوبا: اتفاق سلام أم عقد دائم لتقاسم السلطة؟

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

 

ونعتقد بأن هنالك اختلالًا ما في التعامل مع اتفاقية جوبا للسلام الموقعة بين حكومة الانتقال وقتها وحركات الكفاح المسلح وقتها، ونرى بأن التعاطي مع نص الاتفاق بموقف واحد، إما معها أو ضدها كما ظاهر للعيان، يخرج النقاش من الإطار الموضوعي إلى إطار الاختلاف والعودة لمربع الصفر في قضايا تهم إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة وعادلة.

على أيام الانتقال والشارع الثوري لا زال يرفع شعارات “حرية.. سلام.. عدالة”، جعل هذا الشعار من الاتفاق هو عملية استكمال لأضلاع الثورة السودانية وتتويج لمطالب الملايين من المشردين في معسكرات النزوح في دارفور واللجوء في دول الجوار بسبب الحرب المشتعلة في الإقليم لسنوات، إلا أن الطريقة التي انتهجها طرفا التفاوض وقتها بإمساك الفصيل العسكري بزمام ملفات التفاوض بعيدًا عن عيون المكون المدني في حكومة الانتقال دفعت بتساؤلات عديدة ناحية هذا الملف.

وعلى الرغم من المحاولات العديدة لإلحاق كل الفصائل الحاملة للسلاح بعملية التفاوض الجارية في جوبا، إلا أن كتابة المآخذ على سلام جوبا بدأت منذ التوقيع على مسودة الاتفاق بغياب فصائل حاملة للسلاح، حيث غاب وقتها القائد عبد الواحد نور بقواته والقائد عبد العزيز الحلو، وفقًا لرؤية تم الإعلان عنها بأن ما تم في جوبا لن يفضي إلى إنتاج عملية سلام شاملة في البلاد، وأن ما جاء في الاتفاق لا يخاطب الأسباب الحقيقية للحرب في الإقليم.

(*) طريق للحل.. أم إعادة إنتاج للأزمة؟

القرار الصادر مؤخرًا من السيد كامل إدريس، رئيس الوزراء في حكومة الأمل، بإقالته للسيد/ وزير الشؤون الدينية والأوقاف، ما كان له أن يحدث كل هذه الضجة ويجد حظه من التناول الإعلامي لو أن السيد الوزير المقال كان خارج نسبة 25% من مقاعد مجلس الوزراء، بواقع خمسة مقاعد وزارية، كما ترى ذلك حركات الكفاح المسلح الموقعة على الاتفاق، بينما يطل تفسير آخر لنص الاتفاق يقول إنه، ومع التسليم بالنسبة المذكورة في الاتفاق، إلا أن هذه المقاعد لا تمنحها الاتفاقية أي حصانة ضد التقييم والإقالة.

والتفسير الأخير هو الأكثر اتساقًا مع المنطق السليم ومع النص المذكور في الاتفاقية، ليصبح التمسك بنسبة التمثيل منطقيًا، بينما تصبح عملية التقييم هي نقطة التوتر المستمرة داخل الحكومة كلما صدر قرار في مقابل المقاعد الخمسة في مجلس الوزراء.

قضية إقالة السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة بسبب التشدد في تفسير نصوص اتفاقية سلام جوبا، فلقد مرت عملية تشكيل حكومة الأمل بمحكات ذات النص عندما دار الحديث عن تقييم أداء السيد وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، والتي انتهت بالانتصار لمنطق الحصانة وفقًا لتفسير المادة 20 من الاتفاقية، والإبقاء على السيد الوزير بقوة السلاح والاتفاق في آن.

ومنذ ذلك التوقيت ظل السؤال المطروح هو: هل تحمي اتفاقية جوبا للسلام الحصة السياسية للحركات أم توفر الحماية للأشخاص الذين يشغلون المناصب وفقًا لهذه الحصة..؟

الواقع يقول أيضًا بأن الاتفاق لم يكن مجرد وثيقة لإنهاء الحرب في الإقليم، بل أنشأ الاتفاق ترتيبات واسعة لتقاسم السلطة والثروة وإعادة تشكيل هياكل الدولة.

وإضافة إلى الخمس وزارات هي نصيب الحركات الموقعة على المستوى القومي، فإن الاتفاق وضع صيغًا أكثر تعقيدًا لتوزيع السلطة داخل إقليم دارفور نفسه، ليأتي السؤال المهم: هل كانت هذه النسب وسيلة مؤقتة لإدماج القوى التي حملت السلاح في عملية سياسية، أم أنها تحولت إلى حقوق سياسية ثابتة منفصلة عن التحولات التي حدثت في السودان بعد الحرب؟

وهل الواقع الذي أنتج الاتفاق في أكتوبر 2020م أيام حكومة الانتقال لا زال صالحًا للتعامل به في واقع صنعته الحرب ما بعد أبريل 2023م؟

برأيي أن اتفاقية جوبا للسلام وقتها كانت تخاطب واقعًا أنتجته الثورة والرغبة في التغيير بعد إسقاط النظام، حيث كانت حكومة الانتقال، ولا وجود لحكومة الأمل، ولم تكن حرب أبريل قد فرضت شروطها ومتغيراتها، بل ولم يحدث الانقسام الناتج عن الحرب نفسها داخل حركات الكفاح المسلح، وأفرز ذلك واقعًا عسكريًا جديدًا، ما يعني عمليًا أن الواقع والسياق الذي أنتج الاتفاق قد انتهى، بينما بقيت النصوص موجودة، وبالتالي لا يمكن عمليًا أن يُدار السودان في 2026م بأدوات صُممت لسودان 2020م.

وهنا يجب أن نأخذ واقع الحرب في الاعتبار عند الحديث عن اتفاقية سلام جوبا، فبينما احتفظت فصائل محددة بمقاعدها وشراكتها مع الجيش في الحرب، وكونت معه ما يُعرف بالقوات المشتركة، اختارت فصائل موقعة أخرى الاصطفاف إلى جانب تأسيس وتغيير موقفها السياسي والعسكري، وبالتالي لم يعد استخدام مصطلح أطراف السلام بإطلاقه منطقيًا في هذا التوقيت من عمر الدولة السودانية.

علقت حركة العدل والمساواة على قرار السيد رئيس الوزراء والقاضي بإقالة وزير الشؤون الدينية والأوقاف ببيان قالت فيه بأن ما جرى يعتبر مخالفة صريحة لنصوص الاتفاق والوثيقة الدستورية، وأن الإقالة فيها خرق للاتفاق السياسي الملزم، وأن ذلك قد يلقي بظلاله على الترتيبات الأمنية، لأن اتفاق جوبا يؤخذ ككتلة واحدة ولا يمكن تجزئته.

السيد رئيس الوزراء كامل إدريس في حكومة الأمل، عندما أصدر القرار بإقالة السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يمكن سؤاله إن كان مطلعًا حقيقة على نص اتفاقية سلام جوبا، ويضع في حساباته مترتبات هذا القرار، أم هو كان قد تجاوز النص والسياق الذي أوجد الأنصبة في حكومته وترك لصلاحياته حق التقييم والإقالة؟

البيان الصادر من تجمع قوى تحرير السودان يبدو منطقيًا إلى حد ما، والذي أكدت فيه القوى تمسكها واحتفاظها بحق ترشيح الوزير البديل للمقال بالقرار، وبالتالي تحتفظ رئاسة الوزراء بحقها في تقييم أداء التنفيذيين في الحكومة، وتحتفظ أطراف الاتفاق بحقها في أنصبة السلطة.

المنطق السياسي يجعل اتفاقية السلام وثيقة تحمي الشراكة بين الأطراف الموقعة عليها، ولكن في ذات الوقت لا يجوز تحويل اتفاق السلام إلى حصانة سياسية، وبالمقابل أيضًا لا يجوز للحكومة ولرئيس مجلس الوزراء اتخاذ مسألة التقييم كذريعة للإخلال بما تم الاتفاق عليه في جوبا، وتصبح معادلة الاستقرار قائمة على أن “الحصة” للحركة و”الكفاءة” للمنصب.

وبالعودة لنص الاتفاقية المنشور، فإنه حقيقة يمنح وبشكل صريح أطراف السلام عدد خمسة وزارات في مجلس الوزراء، ولكنه لا يتضمن أي نص صريح يقول بعدم جواز إعفاء الوزراء إلا بعد موافقة الحركات صاحبة النصيب، وهذا يجعل قرار السيد رئيس الوزراء غير مخالف للاتفاق، عكس ما جاء في بيان حركة العدل والمساواة.

الاتفاقية على مستوياتها المحلية والإقليمية استخدمت لغة “التوافق” و”التشاور” في بعض التعيينات، وربطت ذلك بالإجراءات الدستورية، ولذلك فإن الإقالة الأحادية من جانب رئيس الوزراء تفتح جدلًا دستوريًا وسياسيًا حول حدود سلطة رئيس الوزراء في إدارة حكومة تضم شركاء ارتبط تمثيلهم باتفاق سلام.

وهنا يمكننا السؤال عن هل الاختلال الوحيد في تنفيذ اتفاقية جوبا للسلام مرتبط فقط بما حدث في قرار إقالة وزير الشؤون الدينية، أم أن الاختلال كان موجودًا ابتداءً منذ التعثر في تنفيذ الترتيبات الأمنية وتأخر إجراءات الدمج والتسريح وبناء جيش قومي واحد، والتي اضطرت معها أطراف الاتفاق وقتها إلى توقيع مصفوفة جديدة لمعالجة التعثر في التنفيذ لمدة عامين، ويمكننا الرد بأن المشكلة ليست في النصوص فقط، بل في فجوة التنفيذ أيضًا.

حرب أبريل فتحت العيون مجددًا للقراءة في ملف السلام والحرب، حيث إن الاتفاق لم يقُد البلاد لتحقيق السقف الأعلى منه بتحويل الحركات المسلحة إلى قوى سياسية وترتيب حالة الجيوش المتعددة في السودان إلى جيش قومي واحد، وأن عملية البناء الأمني لم تكتمل بعد.

بل وإن هنالك تقارير سابقة حول تنفيذ الاتفاق أشارت إلى أن ترتيبات الأمن والدمج والإصلاح الأمني كانت من أكثر البنود تعثرًا، وأن الاتفاق نفسه لم يقدم في بعض جوانب الدمج تفاصيل كافية حول أعداد القوات والجداول الزمنية للإدماج والإصلاح.

بقاء السلاح حتى الآن خارج المؤسسة الوطنية يعني بأن اتفاق جوبا لم يخاطب جذور أسباب الحرب في السودان، بعد أن عمل فقط على إعادة ترتيب مواقع حاملي السلاح في الدولة السودانية.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكننا الاستنتاج بسهولة أن اتفاق سلام جوبا كان سببًا في حرب أبريل 2023م، ولكنه فشل في بناء مؤسسات الدولة، وتأخرت الترتيبات الأمنية، واستمر تعدد مراكز القوة المسلحة، وبقي تقاسم السلطة منفصلًا عن بناء الدولة، كلها عوامل جعلت اتفاق السلام عاجزًا عن إنتاج دولة مستقرة.

وبالضرورة أيضًا القول بأن الظروف التي أنتجتها الحرب لا تلغي الاتفاق، ولكنها في ذات الوقت تستوجب إعادة تقييمه.

الخطورة الحقيقية في المناقشات والجدل الدائر حول قرار إقالة الوزير هي تحوله إلى أزمة بين شركاء الحرب في هذا الظرف الدقيق والحساس، لأن الفكرة أكبر من الحفاظ على نص الاتفاق بقدر ما أنها فكرة للحفاظ على الأهداف المرجوة من الاتفاق. فاتفاق جوبا ليس خطيئة سياسية حتى يُلغى، وليس نصًا مقدسًا حتى يُمنع من المراجعة. هو اتفاق سلام أُبرم لظرف سياسي محدد، ثم جاءت الحرب لتغيّر السودان وتغيّر أطرافه وتحالفاته وأولوياته. ولذلك فإن الدفاع عن الاتفاق لا يكون بالتمسك الحرفي بكل ترتيباته، كما أن نقده لا يكون بالدعوة إلى إسقاطه. الطريق الصحيح هو إعادة قراءته على ضوء الواقع الجديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى