السودان في قلب الشراكة الاماراتية الهندية (1)

بقلم: اللواء الركن متقاعد عثمان اسماعيل سراج

الزيارة القصيرة لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للهند في 19 يناير الماضي جاءت بعد أحداث اليمن والتي بموجبها استخدمت المملكة العربية السعودية القوة لطرد الوجود الإماراتي والمليشيات الموالية لها من الأراضي اليمنية وعزم المملكة علي اتخاذ خطوات عملية للحد من التهديدات الناتجة عن ممارسات الإمارات علي أمن وسلامة المنطقة العربية عامة والمملكة علي وجه الخصوص.
الإجراءات العسكرية ضد الإمارات في اليمن و ما تلتها من عمليات حاسمة من منع عبور المجال الجوي السعودي وربما الحصار البحري علي الإمارات من قبل المملكة وحلفائها الاقليميين مثل مصر وسلطنة عمان والقفزة الكبيرة في الشرق الأوسط يشي بميلاد تحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية، تحالف معادي لسلوك وتصرفات حاكم الإمارات في المنطقة وبروز الأزمة السودانية بقوة و تبني المملكة مواقف صارمة بشأنها وظهور باكستان ضمن التحالف والاخبار التي سرت في الآفاق وتداولتها وكالات الأنباء عن إمداد لوجستي باكستاني للقوات المسلحة السودانية بدعم عربي سعودي، كل هذه التقلبات السريعة في المشهد الإقليمي ووجود فتور في علاقات الإماراتية مع حليفتها الاستراتيجية (امريكا) التي غيرت مواقفها بعد زيارة ولي العهد السعودي لها، دفعت بالإمارات للبحث عن حليف استراتيجي خارج الإقليم بمواصفات محددة لتأمين ممر آمن لها للاتصال الخارجي والحصول علي شراكة استراتيجية وكان الخيار الأمثل هو الهند (راجع: الإمارات والهند .. شراكة تتقدم علي وقع التوترات الإقليمية للكاتبة تمارا برو ، 22 يناير 2026 ).. وقع الاختيار علي الهند شريكا استراتيجيا للإمارات في هذا التوقيت لعوامل عدة منها:
أولا: الجغرافيا: تطل الهند والإمارات علي بحر العرب بالتالي هذا يحقق لهما سهولة انسياب حركة الملاحة البحرية والجوية لقرب المسافة بينهما بالتالي هو ممر آمن لتدفق التجارة بين الشريكين ومنع الاختناق جراء الحصار الجوي والبحري من قبل المملكة العربية السعودية، لذا تم توقيع اتفاقات شراكة استراتيجية بين الطرفين اهمها الشراكة الاستراتيجية العسكرية وان لم تنص علي الدفاع المشترك والاتفاقات الاقتصادية لتنويع الشراكات التجارية وخاصة اتفاق الغاز والذي بموجبه تستورد الهند الغاز الإماراتي بما قيمته (200) مليار دولار وبذا تصبح الهند أكبر مستورد للغاز الإماراتي وثالث اكبر شريك تجاري للإمارات.
ثانيا: العلاقات الشخصية: بالرجوع إلي دراسة العلاقات البينية لحاكم الإمارات ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، نجد بينهما علاقة صداقة حميمة و الرابط بينهما هو محاربة الإسلام السياسي حسب زعمهما تحت مظلة محاربة الإرهاب، يقوم مودي بموجب هذه العلاقة الخاصة كل مرة بكسر البروتوكولات عند زيارة بن زايد للهند باستقباله في المطار وبشكل ينم عن مدى الوفاء والإخلاص لبن زايد حينما ينتظر مودي تحت سلم الطائرة فاردا يديه لاحتضان الضيف الصديق الوفي وهذا ما لا تسمح به البروتوكولات الهندية حيث لا يستقبل رئيس الوزراء الزعماء عند قدومهم الهند.
مودي هندوسي متعصب انضم مبكرا الي منظمة ( RSS) (حركة راشتيا سانغ) وهي منظمة شبه عسكرية هندوسية متعصبة وهي الجناح العسكري لحزب الشعب الهندوسي الذي ينتمي اليه مودي (بهاراتيا جاناتا الهندوسي)، هدف المنظمة هو الدفاع عن الهندوسية بقتل المسلمين باعتبارهم غزاة غزوا الهند و استعمروها لمئات السنين فعليهم خيارين لا ثالث لهما في الهند (باكستان او قبرستان) بمعني الهجرة الي باكستان أو القبر، تقوم هذه المنظمة المدعومة من الحكومة بعمليات تصفية جسدية يوميا ضد المسلمين وخاصة السنة منهم وفي السنة الجماعة السلفية و الاخوان المسلمون لتأثيرهما الكبير في اسلمة الهندوس (الشيخ الدكتور ذاكر نايك) حيث ارتفعت معدلات اعتناق الإسلام وسط الهندوس قبل وصول مودي إلى السلطة أعلى معدلاته، تتم هذه العمليات تحت مادة اكل لحوم البقر المحظور في بعض الولايات.
ثالثا: المقاربة بين مودي وبن زايد: هدفهما هو محاربة الإسلام تحت مظلة محاربة الإسلام السياسي، كلاهما مستبد، دموي، يسرفان في قتل المسلمين بلا رأفة، مودي نشأ في بيئة هندوسية متعصبة متعطشة لدماء المسلمين انضم لحركة ( RSS) في صباه وانضم لحزب الشعب الهندوسي، صار رئيسا لوزراء ولاية غوجرات في سنة 2001م وارتكب مجزرة احمد اباد ضد المسلمين قتل فيها أكثر من الف مسلم حيث استباح الهندوس المدينة لثلاثة أيام دون تدخل الأجهزة الأمنية، صنف مودي جراء تلك الأحداث (مجرم حرب) من قبل كثير من الدول بما فيها أمريكا، انتخب رئيسا للوزراء بعد فوز حزبه في العام 2014م فزاد الخناق على الإسلام والمسلمين من اضطهاد ومذابح ، فاز للمرة الثانية في العام 2019 باغلبية فكان اول قراراته تعديل الدستور الهندي لسنة ١٩٤٧م والذي منح ولاية جامو وكشمير المسلمة حق الحكم الذاتي وقضى التعديل بإلغاء حق الحكم الذاتي كما نص التعديل بحق منح الجنسية للهندوس حول العالم وحق نزع الجنسية من المسلمين، بأمر مودي قضت المحكمة للهندوس ببناء معبد على انقاض مسجد البابري الشهير في مدينة ايوديها والذي تم هدمه بواسطة هذه المنظمة الهندوسية في العام 1992 وقتل في تلك الاحداث أكثر من الفي مسلم وتم افتتاح المعبد في العام 2024 ، مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل حيث زارها في العام 2017 مخالفا لمبادئ الهند الداعمة للقضية الفلسطينية بل اصبح مدافعا عن إسرائيل في المحافل الدولية ومهاجما للقضايا الفلسطينية وخاصة حول أحداث غزة الأخيرة، أما موقفه من السودان فغير معلن لكن فيه فتور في العلاقات بإعتبار ان نظام الإنقاذ صنف نظاما لتنظيم اسلام سياسي فلم يخف الإعلام الهندي عداوته للنظام فشنت كثير من الأقلام الهندية المشهورة حملة ضد الحكومة السودانية وقتها واصفة إياها بالبربرية الداعمة للارهاب، الهند دولة علمانية كما نصت الديباجة في دستورها في العام 1947 إلا أن مودي وحزبه الهندوسي قلباها إلى دولة دينية لا تعترف بالديانات الاخري وخاصة الإسلام، مودي في كل خطاباته العامة يستخدم اسم هندستان بدلا عن الهند أو البهارات وهذه هي أسماء الهند وهندستان تعني أرض الهندوس وهم اتباع الديانة الهندوسية.
أما صاحبه محمد بن زايد فليس بأقل منه في عداوته للإسلام فلم يسلم المسلمون من أذي دراهم بن زايد في تونس، مصر، الجزائر، موريتانيا، سوريا، الصومال، نيجيريا، السودان، قطر، ومن أقاصي الأرض مسلمو روهينغا في ميانمار البوذية والايغور في الصين وحتى المساجد في أوروبا وأمريكا وحتى الجارة الكبرى المملكة العربية السعودية وغزة ، تسبب بن زايد بدراهمه في قتل مئات الآلاف من المسلمين وهجرة ملايين منهم وتدمير كثير من هذه البلدان بدافع محاربة الإسلام السياسي فلا يري عدوا غير المسلمين، ارضاء لمودي وللهندوس تم افتتاح أكبر معبد هندوسي في الشرق الأوسط وأول من نوعه في ابو ظبي عقب افتتاح معبد ايوديها في الهند والذي تم تشييده على انقاض مسجد البابري استفزازا للإسلام والمسلمين، كما يدين مودي بالولاء لإسرائيل فإن ابن زايد هو الاخر اداة تنفيذ للمصالح الصهيونية في العالم وتحديدا في العالم الإسلامي فهو من تطبع مع إسرائيل ووقع الاتفاقات الابراهيمية معها ويعمل علي جر المنطقة الي التطبيع مع اسرائيل والتوقيع علي هذه الاتفاقات ودعم المجهود الحربي الإسرائيلي للحرب علي غزة ولديه صداقة خاصة مع نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي (راجع: امارات التي في قلوبنا للكاتب السعودي د . احمد بن عثمان التويجري ، 22 يناير 2026 م) .
رابعا: المتغيرات في السياسة الأمريكية: عصر ترامب وتبنيه سياسة خارجية براغماتية (امريكا أولا) وتخليه عن الحلفاء التقليديين وفق المصلحة ومنهم دولة الإمارات العربية المتحدة زادت مخاوف بن زايد من أن يقع فريسة بيد المملكة العربية السعودية وتحالفها الجديد ورضاء أمريكا عن السياسة السعودية في المنطقة لذا بدت مخاوف بن زايد تزداد ومن دون سابق إنذار اتجه نحو شبه القارة الهندية بحثا عن حليف قريب للنجدة عند الضرورة وشريك تجاري ضخم يضمن له شراكة تجارية بديلة دون متاعب، الهند قوة اقتصادية كبيرة وخاصة في أفريقيا يمكن لبن زايد استغلال النفوذ الهندي في أفريقيا لتنفيذ اجندته المهددة من متابعة السعودية اللصيقة والساعية لمحاربة الإمارات في اي بقعة من العالم كإستراتيجية لها في المرحلة القادمة ولحاجة الهند إلى هذا النوع من الشراكات مع قوة اقتصادية ضخمة وخاصة في مجال الطاقة و دفق رؤوس الأموال الإماراتية وخاصة بعد التهديدات التي تلقتها الهند من امريكا بشأن مشتقات البترول الروسية فإنها بهذه الشراكة الكبيرة وجدت حلا لمشاكلها الاقتصادية وأمنها الاقتصادي ومع أمريكا أيضا مع قرب المسافة وسلامة الممر بين البلدين ما لم تحدث متغيرات في الساحة الدولية أو الاقليمية.
خامسا: التقارب السعودي الباكستاني: هذا التقارب في العلاقة بين قوتين اسلاميتين كبيرتين في العالم الاسلامي هو التحالف المنشود من دول المنطقة والعالم الإسلامي وحالة الاحتقان السياسي السعودي من سياسات الإمارات تجاه السعودية كان كافيا لبن زايد للبحث عن الحليف وبما أن الباكستان صار طرفا في خط السعودية فإن النقيض لها هي الهند للصراع الأزلي بينهما، بذا تمحور الصراع من منطقة الخليج الي شبه القارة الهندية وفي الصراع الهندي الباكستاني نجد الصين حاضرة وبالتالي قد يتحول هذا الى صراع إقليمي آخر علي الصراعات القائمة، السعودية تضخ الأموال لباكستان والإمارات تقوم برد فعل، ربما نشاهد سباقا محموما بين بلدين نوويين في جنوب غرب اسيا في ظل صراع حليفيهما البلدان الثريان (المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة) في غرب اسيا.
سادسا : التهديد الصيني: التوسع الصيني في المحيط الهندي عبر استراتيجية خيط اللآلي وهي نظرية جيوسياسية تتحدث عن النوايا الصينية محتملة الوقوع في منطقة المحيط الهندي وتشير الي شبكة من المنشآت والعلاقات العسكرية والتجارية الصينية علي طول خطوط الاتصال البحرية من بر الصين الرئيس الي بورتسودان إضافة الي خطة الممر الصيني الباكستاني ومبادرة الحزام والطرق الصينية تشكل تهديدا للأمن القومي الهندي (ويكيبيديا)، قامت الصين باستخدام نظرية فخ الديون بتقديم قروض مالية بآجال بغرض زيادة نفوذها السياسي علي الدول التي تعجز عن سدادها، بهذه السياسة احاطت الصين الهند من كل الجهات، مثلا الوجود الصيني في سريلانكا والتي تبعد عن الهند 30 ميل بحري والتي وقعت عقدا لأجل طويل لتوسعة ميناء كولمبو العاصمة بالتالي الصين تتحكم علي العاصمة وعلي الميناء، سريلانكا من دول اقلبم جنوب غرب اسيا تحت الهيمنة الهندية، وما حدث في جزر المالديف حيث قامت الصين ببناء جسر الصداقة لربط العاصمة (ماليه)بجزيرة هولهولي التي يقع فيها المطار بطول أكثر من كم وعلى مقربة من الهند في اتجاه الجنوب الغربي علاوة علي وجود الصين في باكستان و ميانمار والتوترات السعودية الإماراتية والتحالف السعودي الباكستاني تزيد من مخاوف الهند مما تدفعها لقبول اي شراكة استراتيجية مع اي صديق قوي عسكريا أو اقتصاديا حتي لو كان هذا الصديق الإمارات العربية المتحدة القوية اقتصاديا وفي هذا التوقيت الملئ بالمفاجآت والمتغيرات .
سابعا: الوجود الهندي في الإمارات العربية: تفيد الاحصائيات بأن عدد الهنود المقيمين بدولة الإمارات العربية يبلغ من ٣.٥ الي ٤ مليون نسبة وهم الجالية الاكبر علي نطاق الشرق الاوسط وتقدر تحويلاتهم المالية إلي دولتهم الأم خلال العام إلى 15 مليار دولار بالتالي الهند لن تجازف بمصالحها الكبيرة في الإمارات حين تلوح مثل هذه الفرص في وقت تحتاج فيه الإمارات إلى الهند لتمتين علاقات المصالح بينهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى