علي هباش يكتب..أرقي .. يوم فراقك طعنة كانت غايرة في أعماق فؤادي

غيّب الموت فجر يوم الخميس أحد أبرز ركائز الأغنية السودانية القائمة على إيقاع الطمبور، الفنان المخضرم عبد الرحيم عبد الحفيظ (أرقي)، الذي وافته المنية داخل مستشفى الدبة بالولاية الشمالية بعد صراع مرير وجسور مع المرض، لتُطوى بذلك صفحة ناصعة من العطاء الفني الإنساني الذي شكل وجدان المستمع السوداني لعقود طويلة، لقد رحل في فجر ساكن، وساب وراهو شجن بيزن جوّانا ويعزف مع الدم، تاركاً غصة في حلق كل عاشق للفن الأصيل، ومذكراً إيانا بحقيقة هذا الوجود الوجيع: (دي الحياة وسُنتها يا حبيب .. مرة تاخد ومرة تدي).

وداعاً .. يا مثير للدهشة فى الناس والفضول

يا ربيع دنيانا يا أحلى الفصول

يا معاني الطيبة والرضا والقبول

يا سمح يا راقي يا زول انتَ يا زول

 

من “صديق” إلى “أرقي”

 

لم يندمل جرح الهرم الراحل صديق أحمد التاجر حتى انفتح من جديد جرح (أرقي) التي لا تزال دموعها تسيل حزناً وفصلاً على رحيل صديق أحمد؛ ليأتي اليوم رحيل عبد الرحيم أرقي ويزيد من تيار اندفاع تلك الدموع الغزيرة، كأن الأقدار تحالفت على وجدان هذا المنحنى النيلي، لتفجع الأرض بنجمين من أسطع لآلئ الطمبور في وقت متقارب، وتترك محبي الفن الشجي في مأتم ممتد لا يكاد يبرأ من لوعة حتى يستقبل فاجعة أخرى أشد وأقسى.

 

حتمية الفراق وألم الغياب

 

لم يكن اختيارنا لعنوان هذا المقال مجرّد تعبير عابر عن الأسى، بل هو اقتباس مباشر ينبض بمرارة الوجع من واحدة من روائع الراحل الخالدة وأكثرها شجناً؛ أغنية “لا بإيدك لا بإيدي”. في هذا العمل الوجداني الرفيع، صاغ أرقي بصوته المتهدج لوعة الفراق الإجباري الذي تفرضه الظروف والأيام حين صدح قائلاً: (لا بإيدك لا بإيدي.. دا الزمان الإختار كدى، نفترق والفرقة حارة ونرضى بي حُكم الإرادة). واليوم، يتجسّد هذا العمل الفني واقعاً حزيناً؛ ففراقه لم يكن بيده ولا بأيدي ملايين المحبين الذين فجعهم الغياب، ليتحول مقطع الأغنية ذاتها إلى مرثية باكية في حقه: (يوم فراقك طعنة كانت غايرة في أعماق فؤادي).

 

التوصية الأخيرة في قبول إرادة الله

 

وفي مقابل هذا الألم وتلك “الطعنة الغايرة”، ترك لنا الراحل المنهج والدواء في ذات المكتبة الإبداعية؛ حيث لطالما أوصى جمهوره عبر رائعته الشجية “علم نفسك الإيمان” بالتسلح باليقين والرضا التام بقضاء الله الخالد، لم تكن تلك الأغنية مجرد نغم، بل رسالة روحية تدعو القلوب المكلومة للثبات حين حلّ القدر، مذكراً إيانا بأن حلاوة الاحتساب والقبول بأقدار الله العلي القدير هي الملاذ الأوحد عند الفجائع والخطوب؛ وكأنه اليوم يخاطبنا من مرقده ليربط على قلوبنا الصادمة.

 

رحلة المرض والوعكة الأخيرة

 

عاش الراحل المقيم أشهره الأخيرة في معركة صامتة مع المرض، حيث اشتد عليه العناء؛ مما استدعى مغادرته لأرض الوطن في رحلة استشفائية إلى الهند، متسلحاً بالأمل والدعوات، وبعد رحلة علاجية طويلة هناك، عاد إلى السودان مؤخراً، إلا أن الأقدار كانت تبسط حكمها، فتدهورت حالته الصحية بشكل مفاجئ خلال الأيام الماضية، ونُقل على إثرها إلى مستشفى الدبة بالولاية الشمالية حيث فاضت روحه الطاهرة صابرة محتسبة.

 

مسقط الرأس والارتباط بالأرض

 

لم يكن اسم “أرقي” مجرد لقب فني، بل كان هوية، وانتماءً، وجذوراً ممتدة في رحم قرية “أرقي” الوادعة بالولاية الشمالية، من منحنى النيل وظلال النخيل استمد الراحل دفء صوته الشجي، لقد حمل اسم قريته ببر وفخر، وطاف به ربوع الوطن ومنافي الغربة، ليكون لسان حال الأرض، يترجم شوق المهاجرين، ويحكي عن بساطة وقيَّم أهله في الشمال، وبوفاته، خيَّم الحزن على أزقة القرية التي بكت ابنها البار الذي لم ينفصل عنها يوماً.

 

ترنيمة البر وحب الأمهات

 

امتلك عبد الرحيم أرقي مفاتيح القلوب برقة أحاسيسه، وبادله المجتمع السوداني حباً بحب، لا سيما الأمهات اللواتي وجدن في صوته الدافئ لسان حالهن الشفيق، فتربّع الراحل في وجدان ومجالس الأمهات برائعته الخالدة “عافي منك وراضية عنك”، الأغنية الأيقونية التي هزت مشاعر كل بيت سوداني، وغدت بمثابة ترنيمة مقدسة للبر والرضا والدعاء الصادق للأبناء في غربتهم وترحالهم، لقد صاغ أرقي بصوته الحنون في هذه الأغنية عاطفة الأمومة الجياشة في أبهى صورها، حتى أصبحت دندنة يومية ودعاءً مأثوراً تلهج به ألسنة الأمهات؛ واليوم يبكينه بدموع الأمهات الحاضنات لذكراه، ويبتهلن له بذات الرضا الذي صدح به.

 

مدرسة فنية

 

امتازت مسيرة عبد الرحيم أرقي بقدرتها الفريدة على ملامسة أعمق الجراح الإنسانية ومواساتها، ومن مفارقات القدر الشجية، أن تنطبق كلمات أغنياته على مشهد رحيله اليوم؛ فمحبوه الذين يغالبون الدموع الآن يستدعون روائعه الخالدة التي صاغ فيها فلسفة التسليم للأقدار، مرددين خلفه:

بـ بشيشكن يا عيوني .. يا دموع لا تفضحني

طالما الأقدار بتحكم .. غصب عنك وغصب عني

ثم يسكب الطمأنينة في قلوب محبيه عبر أغنيته الأيقونية الأخرى “سمح الصبر”، تلك القصيدة التي غدت ببلسم لكل مكلوم وفاقد، والتي يقول مطلعها:

سمح الصبر لـِ زول عرف لغة المآسي وكلما

سمح الصبر للفي دواخلو جيوش هموم متراكمة

لو كان فقدتَ أعز زول في دنيا جايرة وظالمة

 

إرث إبداعي

 

(وأخيراً ليك ألف سلام قبل ما تجف دموع العين) .. بمثلما تغنى وترنم وأشجى وأطرب ورسخت (حبي أنا ليك كان زادي) في قلوب السودانيين، نودعه بهذه الكلمات التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً مع الوداع وتحكي لسان حال كل أهله وعشيرته (الأرقاوة) وعشاقه ومحبيه ومن تربطه به صلة أو علاقة حتى بعيداً عن كونه (فناناً) فهو في النهاية عاش (إنساناً) وفارق الدنيا (الزايلة)، فقد رحل عبد الرحيم أرقي جسداً، لكنه ترك خلفه مكتبة صوتية ووجدانية ثرية ستبقى حية في ذاكرة الأجيال، وسيظل صوته حادياً للقيَّم النبيلة والوفاء للأرض والوالدين، نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويجعل كل ما عاناه من ألم كفارةً له ورفعةً في درجاته، وأن ينزل شآبيب رحمته ورضوانه على قبره، ويلهم أسرته وأهل قرية أرقي والأمهات والمحبين في كل مكان الصبر الجميل، إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى