اقتصاديات الجشع.. عندما تُحرّك الحرب أسوأ ما في السوق!

حديث القلم
بقلم ـ أمين محمد
لا تكشف الأزمات الكبرى عورات البنى التحتية للدول فحسب، بل تُعرّي أيضاً التشوهات الهيكلية والأخلاقية التي تصيب الأسواق وسلوك الأفراد في غياب الرقابة الحازمة. وما نشهده اليوم في سوق الخدمات والسلع بالسودان يمثل نموذجاً صارخاً لـ “اقتصاديات الحرب”، حيث يتحول الاستغلال إلى آلية عمل يومية، ويسعى كل طرف للاستثمار في معاناة الآخرين تحت ذريعة الظروف الاستثنائية.
تتجلى هذه الأزمة بوضوح في طفرة الأسعار غير المنطقية لخدمات النظافة والصيانة وسط العاصمة والمناطق المستقرة؛ إذ ليس من المنطق الاقتصادي أو المهني أن تُسعّر خدمة تنظيف شقة صغيرة (استوديو) من الغبار والأتربة بمبالغ فلكية تتجاوز الألف، لعمل ميداني لا يستغرق سوى ساعتين أو ثلاث ساعات على الأكثر. إن هذا المغالاة لا تعكس قيمة مضافة حقيقية، بل تعبر عن فوضى تسعيرية يفرضها غياب الضمير المهني واستغلال حاجة المواطنين العائدين لتجهيز منازلهم أو مقار عملهم.
بيد أن هذه الظاهرة ليست معزولة، بل هي امتداد لمتلازمة “الجشع” التي ضربت مفاصل المجتمع منذ اندلاع الحرب؛ فالصورة الذهنية المريرة لأصحاب العقارات في الولايات الآمنة وهم يضاعفون الإيجارات على النازحين بلا رحمة، لا تختلف عن ممارسات تجار السلع الغذائية الذين يحتكرون الأقوات، أو أصحاب مركبات الأجرة الذين يفرضون تعرفة جزافية مستغلين انعدام البدائل.
إن المبرر الجاهز المتمثل في “ارتفاع تكلفة المعيشة” أصبح ذريعة يمارس عبرها الجميع الاستغلال ضد الجميع، متناسين أن كل المواطنين يكتوون بالنار ذاتها، ويعانون من ذات الظروف المعقدة وتآكل المداخيل. إن وضع الأسعار في حدود المعقول والمنطقي هو صمام الأمان الوحيد للحفاظ على ما تبقى من نسيج اجتماعي واقتصادي.
إن الحرب، بكل قسوتها، كان يجب أن تكون درساً بليغاً في التكافل والمسؤولية المجتمعية، لا منصة للتربح السريع واقتناص الفرص على حساب المنكوبين. إن علاج هذه التشوهات يتطلب مسارين: قانوني صارم بوضع ضوابط رادعة لضبط الأسواق والخدمات، وأخلاقي يعيد الاعتبار لقيم التراحم؛ فالأسواق التي تبنى على أنقاض حاجة الناس، هي أسواق مشوهة لن تنتج إلا مزيداً من الانهيار الاقتصادي والشرخ المجتمعي.



