معاشات الشهداء.. فجوة الرعاية وتحدي التضخم

تقرير: أمين محمد الأمين
في غمرة المعارك التي تخوضها البلاد من أجل السيادة والوجود، تتجاوز تضحيات الشهداء حدود بذل الأرواح في جبهات القتال، لتترك خلفها أبعاداً إنسانية واقتصادية بالغ الحساسية، تتجسد في واقع الأسر التي فقدت عائلها الوحيد. ومع تمدد الحرب المدمّرة، تجد هذه العوائل المكلومة نفسها اليوم أمام معركة أخرى لا تقل ضراوة؛ وهي معركة البقاء وتدبير القوت اليومي في مواجهة إعصار التضخم، والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية، وانهيار القدرة الشرائية؛ مما يحول الرعاية المعيشية لهذه الفئات من مجرد ملف دعم اجتماعي عابر، إلى التزام سيادي وأخلاقي ملحّ يمس صلب الاستقرار المجتمعي ومفهوم العدالة الوطنية.

رعاية خجولة
وفي تشخيصه لهذا الواقع، أوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، أن أسر شهداء “معركة الكرامة” تحظى باهتمام لافت في غالبية ولايات السودان، بيد أنه وصف هذا التفاعل بأنه “دون المستوى المطلوب” ولا يتناسب مع عمق الظروف الاقتصادية المعقدة التي تكابدها البلاد في الوقت الراهن. وأشار محجوب إلى أن تلك الأسر تواجه معاناة معيشية حقيقية ناجمة عن الارتفاع المتصاعد في تكاليف المعيشة، متأثرة بالانخفاض الحاد في القيمة الشرائية للمَعاش الشهري المخصص لها من قِبل قيادة القوات المسلحة السودانية، والذي أضحى عاجزاً عن ملاحقة قفزات الأسواق.
مبادرات ولائية
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن عِدّة ولايات اتخذت خطوات استباقية تمثلت في تخصيص مساكن ومساعدات عينية مباشرة لعوائل الشهداء، معتبراً أن هذه الخطوات، على أهميتها، لا تعدو كونها “مواساة رمزية” تخفف النزر اليسير من حجم التضحيات الجسيمة التي قدمها الشهداء في معركة تحرير البلاد وتطهيرها من ميليشيا التمرد. وأقرّ محجوب بأن مجمل الحزم الدعمية التي يتم تقديمها حالياً في الساحة لا تزال غير كافية لضمان حياة كريمة ومستقرة لأسر الشهداء، كما أنها لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات كفايتهم المعيشية اليومية.

واقع مرير
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي، الأستاذ محمد نور كرم الله كركساوي، أن الحرب التي تشهدها البلاد منذ أبريل 2023م لم تكتفِ بحصد الأرواح في ميادين القتال فحسب، بل امتد لهيبها ليعصف بالبنية الاقتصادية لكل بيت سوداني، مخلّفةً دماراً شاملاً. وأوضح كركساوي أن مؤشرات وبيانات الأمم المتحدة المتطابقة تجسد عمق المأساة؛ إذ تؤكد نزوح الملايين، وتضع أكثر من 30 مليون سوداني تحت طائلة الحاجة الماسة للمساعدات الإنسانية العاجلة، وذلك في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة الأمن الغذائي، وتفاقم معدلات الفقر والبطالة. ونوّه بأن أسر شهداء معركة الكرامة تقع في صدارة الفئات الأكثر تضرراً من هذا المشهد المأساوي؛ كونها تجرعت مرارة فقد العائل، وتواجه في الوقت ذاته شبح الجوع والعوز، مما يجعل التدخل العاجل والشامل لإنقاذها ضرورة قصوى لا تحتمل التأجيل.
دعم مباشر
وفي سياق وضع الحلول، يرى كركساوي أن إدراج أسر الشهداء في مقدمة أولويات الخطط الحكومية يمثل حجر الزاوية للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية الراهنة. وشدد على أن حزمة المعالجات يجب أن تبدأ بآليات دعم مباشر تشمل التحويلات النقدية الدورية، وتوزيع القسائم الغذائية، بجانب توفير السلع الاستراتيجية بأسعار مدعومة حكومياً. كما دعا الخبير الاقتصادي إلى ابتكار حلول تنموية متكاملة عبر تخصيص حزم تمويلية عينية تتضمن البذور والأسمدة للمزارعين من أبناء تلك الأسر، وإطلاق برامج تشغيل مؤقتة للشباب والنازحين منهم، تزامناً مع فتح نوافذ مرنة للتمويل الأصغر الموجه للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر؛ وهي إجراءات كفيلة برأيه بنقل هذه الأسر من دائرة الاستهلاك والانتظار إلى دائرة الإنتاج والاعتماد على الذات.
أدوار تعاونية
وعلى صعيد التكامل المجتمعي، أبرز كركساوي الدور المضاعف الذي يجب أن تضطلع به الجمعيات التعاونية في أوقات الأزمات، لا سيما في مساندة الشرائح الأكثر هشاشة وعلى رأسها عوائل الشهداء. وأبان أن هذه الجمعيات تملك القدرة على كسر حدة الغلاء عبر شراء السلع الأساسية بكميات كبيرة وتوزيعها على الأعضاء بأسعار التكلفة، فضلاً عن إمكانية تأسيس جمعيات إنتاجية متخصصة للمزارعين والحرفيين لتقليص نفقات التشغيل. وحثّ على تشييد مخازن استراتيجية للسلع للحد من ممارسات المضاربة والاحتكار، بالتوازي مع إنشاء صناديق تكافلية تمنح قروضاً بيضاء (بدون فوائد) أو بفوائد رمزية للأسر المعسرة، فضلاً عن مساهمة التعاونيات في تسويق المنتجات الزراعية والحيوانية لضمان عائد مجزٍ للمنتجين.
شراكة استراتيجية
رسم كركساوي ملامح خريطة طريق للمستقبل، جازماً بأن إحكام التنسيق المشترك بين الدعم الحكومي الموجه لأسر الشهداء، والمجهودات التعاونية، ومبادرات القطاع الخاص، والمنظمات الإنسانية، يمثل الصيغة المثلى لتجفيف آثار الحرب الكارثية، والحفاظ على حد الأمان الغذائي للمواطنين. وأشار إلى أن هذا التكامل الرباعي لن يقتصر أثره على تخفيف وطأة المعاناة الراهنة فحسب، بل سيمهد أرضية صلبة للانطلاق نحو بناء خطط إعادة الإعمار الشاملة، وتحقيق التعافي الاقتصادي المستدام للبلاد فور توقف العمليات العسكرية.



