التفكير العكسي… هل آن الأوان لإعادة اختراع الامتحانات؟

بقلم/ إسماعيل شريف

مع إسدال الستار على امتحانات الثانوية العامة في مصر، لم تنتهِ النقاشات التي صاحبتها، بل ربما بدأت مرحلة أكثر أهمية. ففي إحدى حلقات برنامج يحدث في مصر، عرض الإعلامي شريف عامر نموذجًا لنظارة ذكية يمكن أن تُستخدم في نقل ما يراه الطالب داخل لجنة الامتحان، في مشهد بدا وكأنه ينتمي إلى عالم الخيال العلمي، لكنه في الحقيقة يعكس واقعًا تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة تفوق قدرة النظم التعليمية على مواكبتها.

 

لكن، بعيدًا عن الانبهار بالتقنيات أو القلق من استخدامها، استوقفني سؤال آخر: هل ما زلنا ننظر إلى الامتحانات بالطريقة نفسها التي نظرنا بها إليها قبل عقود؟ وهل أصبحت معركتنا الحقيقية هي مطاردة وسائل الغش، أم أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في فلسفة الامتحان نفسها؟

 

منذ سنوات طويلة، كانت لجان الامتحانات تفتش عن قصاصات الورق الصغيرة. ثم انتقلت إلى الهواتف المحمولة، وبعدها إلى السماعات الدقيقة، واليوم إلى النظارات الذكية، وربما غدًا إلى وسائل أكثر تطورًا يصعب اكتشافها. وفي كل مرة نعتقد أننا أغلقنا بابًا، تفتح التكنولوجيا بابًا جديدًا.

 

هذه الحقيقة تدفعنا إلى تبني ما يمكن أن نسميه بالتفكير العكسي. فبدلًا من أن نسأل: كيف نمنع الطالب من الوصول إلى المعلومة؟ ربما ينبغي أن نسأل: لماذا أصبح الوصول إلى المعلومة هو المشكلة أصلًا؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا للوهلة الأولى، لكنه يستحق التأمل. فإذا كانت وسائل الغش تتطور مع كل تطور تقني، بينما تبقى الامتحانات تدور في الإطار نفسه، فربما لا تكمن المشكلة في الطلاب وحدهم، ولا في الأجهزة التي يستخدمونها، وإنما في منظومة تقويم لم تتغير بالسرعة التي تغير بها العالم.

 

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، تبرير الغش أو التقليل من خطورته، فهو سلوك مرفوض أخلاقيًا وتربويًا وقانونيًا. لكن الاقتصار على العقوبات والتفتيش والمراقبة يشبه معالجة أعراض المرض دون البحث عن أسبابه. فكلما ابتكرت المؤسسات التعليمية وسيلة جديدة للمنع، ظهرت وسيلة أكثر تطورًا للالتفاف عليها، لتتحول العملية التعليمية إلى سباق مفتوح بين أدوات الغش وأدوات المكافحة.

 

هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية ليست في تطور وسائل الغش، وإنما في أن الامتحان ما زال يقيس ما لم يعد يمثل القيمة الحقيقية للتعلم؟

 

لقد أصبح الوصول إلى المعلومات اليوم متاحًا بضغطة زر. فالطبيب يعود إلى المراجع، والمهندس يستعين بقواعد البيانات، والباحث يستخدم أحدث ما توفره التقنية، والصحفي لا يكتب تحقيقًا مهنيًا دون مراجعة المصادر والتحقق من المعلومات. بل إن الذكاء الاصطناعي نفسه أصبح قادرًا على استرجاع كم هائل من المعلومات في ثوانٍ.

 

إذا كانت المعرفة متاحة بهذا الشكل، فهل يظل من المنطقي أن يكون معيار التفوق هو قدرة الطالب على حفظ أكبر قدر من المعلومات واستدعائها في ساعات معدودة؟

 

ربما آن الأوان لأن يتحول الامتحان من اختبار للذاكرة إلى اختبار للعقل؛ من قياس كمية المعلومات التي يحفظها الطالب إلى قياس قدرته على تحليلها، وربطها، وتوظيفها، واستخلاص النتائج منها، والدفاع عن رأيه بالحجة والمنطق.

 

عندها لن يصبح امتلاك الهاتف أو النظارة الذكية أو حتى استخدام الذكاء الاصطناعي طريقًا مضمونًا للنجاح، لأن المطلوب لن يكون نقل المعلومة، وإنما إنتاج الفكرة.

ومن هنا، لا يبدو السؤال: هل نستبدل الورقة بالشاشة؟ سؤالًا دقيقًا. فالقضية أكبر من ذلك بكثير. إذ يمكن نقل الامتحان الورقي إلى جهاز إلكتروني دون أن يتغير شيء في جوهره، فنحصل على نسخة رقمية من المشكلة نفسها.

 

التحول الحقيقي يبدأ عندما نعيد تصميم الامتحان، لا عندما نغير وسيلة تقديمه.

 

فالامتحان الإلكتروني يتيح فرصًا لم تكن متاحة من قبل. يمكن بناء بنوك ضخمة للأسئلة، بحيث يحصل كل طالب على نموذج مختلف، مع الحفاظ على تكافؤ الفرص. ويمكن ترتيب الأسئلة بصورة عشوائية، وتقليل فرص التسريب، وإجراء التصحيح الفوري للأسئلة الموضوعية، واستخراج تقارير دقيقة عن أداء الطلاب، ومستوى صعوبة الأسئلة، ونقاط القوة والضعف في العملية التعليمية.

 

ولا تقتصر المكاسب على الجوانب الفنية، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والإدارية. فكل موسم امتحانات يستهلك موارد هائلة في إعداد الأسئلة، والطباعة، والتغليف، والنقل، والتأمين، والحراسة، والإجلاس، والمراقبة، وجمع أوراق الإجابة، والتصحيح، والرصد، والمراجعة، وإعلان النتائج، ثم حفظ الأرشيف الورقي. وهي سلسلة طويلة تتطلب آلاف العاملين، وموازنات كبيرة، ووقتًا وجهدًا، مع بقاء احتمال الخطأ أو التسريب أو الفقد قائمًا في كل مرحلة.

 

ولا يعني ذلك أن الامتحانات الإلكترونية تخلو من التحديات، فهي تحتاج إلى بنية تحتية قوية، وأجهزة مناسبة، وشبكات مستقرة، وأنظمة حماية رقمية، وتدريب للمعلمين والطلاب، وخطط بديلة لأي أعطال تقنية. لكن هذه التحديات هي تحديات بناء وتطوير، وليست عيوبًا جوهرية في الفكرة نفسها.

 

ولعل الأهم من كل ذلك أن التكنولوجيا يجب ألا تُستخدم فقط لمنع الغش، بل لإنتاج امتحان أكثر عدالة وذكاء. امتحان يقيس التفكير، ويكافئ الإبداع، ويختبر القدرة على التحليل والاستنتاج، لا مجرد استرجاع المعلومات.

 

فإذا نجحنا في ذلك، فلن تصبح معركتنا مع النظارة الذكية أو الهاتف المحمول أو أي وسيلة أخرى قد تظهر في المستقبل، لأن الامتحان نفسه سيكون قد تجاوز المرحلة التي تجعل نقل المعلومة وحده طريقًا إلى النجاح.

ولعل من المناسب، ونحن نراجع تجاربنا التعليمية، أن نتوقف قليلًا أمام العلاقة بين المدرسة والجامعة. فهل يكفي امتحان واحد، مهما بلغت دقته، ليحدد مستقبل الطالب الأكاديمي والمهني؟ وهل من العدل أن يظل مجموع الثانوية العامة هو المعيار الوحيد للالتحاق بتخصصات تتطلب مهارات وقدرات متنوعة؟

 

إن كثيرًا من الجامعات المرموقة في العالم لا تكتفي بنتيجة الثانوية، بل تعتمد اختبارات قبول، أو مقابلات شخصية، أو تقييمات للقدرات، لأنها تدرك أن التفوق الدراسي لا يُختزل في رقم، وأن النجاح في الحياة الجامعية يحتاج إلى ما هو أكثر من استرجاع المعلومات.

 

ومن هنا، فإن إعادة النظر في فلسفة الامتحانات ليست ترفًا فكريًا، ولا استجابة عابرة لتطور وسائل الغش، وإنما ضرورة يفرضها عصر تتغير فيه المعرفة بسرعة غير مسبوقة، وتتبدل فيه طبيعة المهارات التي يحتاجها الإنسان.

 

وليس المقصود أن نعلن نهاية الامتحانات الورقية، أو أن نستبدلها على عجل بامتحانات إلكترونية، وإنما أن نبدأ حوارًا جادًا حول مستقبل التقويم التعليمي. فالتكنولوجيا ليست غاية، وإنما أداة. وقد تكون وسيلة للغش إذا أحسن استخدامها من قبل الطالب، لكنها يمكن أن تصبح وسيلة لتحقيق العدالة والجودة إذا أحسن النظام التعليمي توظيفها.

 

لقد أثارت نظارة ذكية عرضها برنامج تلفزيوني نقاشًا واسعًا حول وسائل الغش الحديثة، وربما يكون هذا النقاش فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية من كل الأسئلة التي انشغلنا بها خلال موسم الامتحانات:

 

هل نواصل مطاردة وسائل الغش التي تتطور كل يوم، أم نمتلك الشجاعة لإعادة تصميم الامتحان بحيث يصبح التفكير هو طريق النجاح، لا حفظ المعلومات؟

 

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل التعليم في السنوات المقبلة، لأن المستقبل لن ينتظر مناهجنا، ولن ينتظر لوائحنا، ولن ينتظر لجاننا. المستقبل بدأ بالفعل، ومن الحكمة أن نلحق به قبل أن نجد أنفسنا نواجه كل عام وسيلة غش جديدة، بينما ما زلنا نطرح الأسئلة القديمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى