علم الدين عمر يكتب : لرئيس مجلس السيادة..الوزراء..الدولة تحتاج لعقل إستراتيجي!!

حاجب الدهشة..

سؤال طُرح بالأمس علي طاولة وطنية.. مثقلة بالأسئلة المتناسلة والإجابات الشحيحة.. والأمنيات الجريحة ضمتنا معية عدد محدود من الحادبين.. كان موضوع إدارة تفاصيل الحرب وإعادة تعريف الهوية الوطنية حاضراً بقوة.. طُرح سؤال قوي وحائر عن مركز التفكير الذي يصنع مرحلة ما بعد الحرب؟!!

الأبرز في المشهد السوداني الراهن أن الدولة تخوض حرباً وجودية.. وتستعد في الوقت ذاته لمرحلة ما بعد الحرب..بينما لا تزال آليات التفكير الإستراتيجي فيها تعمل بذات الأدوات التي سبقت الحرب!!

الدولة تبدو مرهقة جداً وهي تحاول الخروج من عنق الزجاجة.. تلاحق الخدمات.. والمرتبات..والخبز.. والكهرباء.. والمياه.. وإعادة تشغيل المؤسسات.. وتتعامل يومياً مع أزمات متلاحقة.. بينما تتراجع في الخلفية القضية الأكبر..أي سودان نريد أن نبني بعد أن تنتهي هذه الحرب؟..

صحيح أن عودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم مثّلت إنتقالاً مهماً من إدارة الحرب إلى استعادة المركز الإداري والسيادي.. لكن استعادة المباني والمكاتب لا تعني بالضرورة استعادة مركز التفكير الوطني..

وهنا تكمن المشكلة..

واضح جداً لمراقب ضعيف اللياقة مثلي..أن السودان لا يعاني فقط من تعدد الأزمات.. إنما من تعدد مراكز صناعة القرار والتأثير والتفسير.. سياسيون.. وعسكريون.. وأجهزة..ومبادرات.. ومجموعات إجتماعية.. ومنابر إعلامية.. ومراكز تأثير خارجية.. وكل منها يتحرك أحياناً وفق تعريف مختلف لمصلحة الدولة ومستقبلها..

والنتيجة أن الخطاب الوطني نفسه أصبح متعددا المسارات والرؤية متشعبة.. والأولويات قابلة للتبدل من يوم لآخر..

هذا الوضع لا يمكن أن يستمر في دولة خارجة من حرب..

السودان يحتاج قبل انتهاء الحرب وليس بعدها فقط، إلى مركز أو مراكز إستراتيجية حقيقية لدعم القرار.. مؤسسة وطنية رفيعة المستوى.. صغيرة ومحترفة.. تضم خبراء في السياسة والإقتصاد والأمن والإجتماع والإعلام والتاريخ والعلاقات الدولية.. مهمتها ليس إصدار البيانات ولا منافسة الوزارات.. مهمتها فقط قراءة المستقبل.. وبناء السيناريوهات.. وتقديم الخيارات لصانع القرار..

والأهم من ذلك يحتاج السودان إلى جسم وطني معني بإعادة تعريف الهوية الوطنية..

فالهوية ليست مجرد حديث عن التنوع.. الهوية هي الإجابة عن السؤال الأخطر.. من نحن؟ وما شكل الدولة التي نريد.. وما الذي يجعل السودان وطناً واحداً رغم إختلاف الجغرافيا والثقافات والمكونات؟..

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في 2026 تناولت تحديداً فشل بناء الهوية الوطنية السودانية في مرحلة ما بعد الإستقلال.. وهو ما يؤكد أن الأزمة أعمق من خلاف سياسي عابر.. إنها أزمة في تعريف الدولة ذاتها وعلاقتها بمواطنيها..

ولهذا فإن ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة إعمار الحجر.. إعادة بناء الإنسان والوجدان والدولة هو البرنامج الأكثر أهمية..

نحتاج إلى مشروع وطني يعيد تشكيل الوعي العام حول معنى المواطنة.. والدولة.. والجيش.. والعدالة.. والتنوع.. والسيادة.. والحقوق والواجبات..مشروع لا يلغي الإختلاف.. ولكنه يمنع الإختلاف من التحول إلى قطيعة وطنية..

نحتاج بالتوازي لمنظومة إعلامية إستراتيجية متعددة المسارات.. خطاب رسمي وسياسي وإعلامي متسق.. لا تترك الدولة فيه فراغاً معلوماتياً تملؤه الشائعات والتأويلات ومراكز التأثير المختلفة.. فالإعلام في مرحلة ما بعد الحرب لن يكون ناقلاً للأخبار فقط.. بل سيكون واحداً من أهم أدوات إعادة بناء الدولة والوجدان الوطني.. وقد أبلت الوزارة بلاء حسناً في ذلك حتي الآن وفتحت مسارات ممتازة لبرنامج استراتيجي يقوم علي الإعلام المؤسسي..

المطلوب إذن ليس مزيداً من اللجان..

المطلوب عقل دولة..

عقل يخرج القيادة من أسر التفاصيل اليومية.. ويمنح الجهاز التنفيذي مساحة للعمل.. ويضع أمام الدولة صورة السنوات العشر المقبلة وليس صورة اليوم فقط..

صحيح أن الحكومة مطالبة بتوفير الخدمة..لكنها ليست مطالبة بأن تعيش أسيرة لها..

والوزير مطالب بإدارة وزارته.. نعم.. لكنه ليس مطالباً بأن يكون وحده مسؤولاً عن التفكير في مستقبل السودان..

لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً من دمائها ووحدتها واقتصادها ونسيجها الإجتماعي.. ولذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه بعد الحرب هو أن تعود إلى إدارة السودان بالأدوات التي قادته إلى الحرب..

الحرب ستنتهي عاجلاً أم آجلاً..

لكن السؤال الحقيقي سيظل رؤية السودان بعد الإنتصار؟..

وهنا تبدأ مسؤولية الدولة في صناعة مركزها الإستراتيجي.. وتعريف هويتها الوطنية.. وإعادة تشكيل وجدانها الشعبي.. قبل أن تضع الحرب أوزارها..لأن الفراغ الذي لا تملؤه الدولة برؤية.. سيملؤه الآخرون بأجنداتهم..

السودان يحتاج إلى أن ينتقل من دولة تدير يومها إلى دولة تعرف غدها.. وهذا لن يكون إلا بالتخطيط الإستراتيجي الذي يتجاوز اليوميات وينفذ للبرنامج الوطني الكامل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى