الدولة أولاً… والباقي تفاصيل

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد
السودان اليوم لا يقف أمام أزمة حكومة تبحث عن شرعيتها، ولا أمام خلاف سياسي عابر يمكن اختزاله في أسماء الأحزاب والقيادات.
المشهد أكبر من ذلك بكثير.
السودان يقف أمام امتحان الدولة نفسها؛ دولةٌ تعرضت خلال السنوات الماضية لمحاولات استنزاف ممنهجة، وضُربت مؤسساتها، وتمدد السلاح خارج إطارها، وتحولت السياسة في بعض مراحلها إلى طريق مختصر نحو السلطة، حتى أصبح السؤال الحقيقي: هل نريد دولةً تحكمها المؤسسات، أم واقعاً تحكمه موازين القوة؟
*هذه هي القضية.*
ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل السودان لا يبدأ من توزيع المقاعد، ولا من هندسة التحالفات، ولا من البحث عن صيغة ترضي هذا الحزب أو ذاك.
*البداية من الدولة.*
الدولة التي لا يمكن أن تكون فيها جيوش متعددة، ولا مراكز قرار متنافسة، ولا سيادة مجزأة، ولا قانون يُطبق على مجموعة ويتوقف أمام أخرى.
الدولة ليست ورقة تفاوض.
والسيادة ليست بنداً قابلاً للمساومة.
والجيش الوطني ليس مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة يمكن وضعها على قدم المساواة مع التشكيلات المسلحة الخارجة عليها.
هذه نقطة لا تحتمل كثيراً من الالتباس.
القوات المسلحة السودانية تحملت، ولا تزال تتحمل، العبء الأكبر في معركة بقاء الدولة. وقد جاء تأكيد البرهان في عيد القوات المسلحة على قومية الجيش وتمثيله لكل السودانيين ليضع المسألة في إطارها الصحيح: المؤسسة العسكرية الوطنية ليست ملكاً لتيار سياسي ولا لقبيلة ولا لمنطقة، وإنما هي إحدى ركائز الدولة السودانية.
ومن هنا، فإن الوقوف مع القوات المسلحة لا يعني الوقوف ضد السياسة، ولا يعني إغلاق باب الحوار.
*العكس تماماً.*
الحوار السياسي يحتاج إلى دولة قائمة، والدولة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية وطنية تحمي حدودها وسيادتها، والسياسة تحتاج إلى قانون يحميها من التحول إلى غطاء للفوضى.
المشكلة ليست في أن يتحاور السودانيون.
المشكلة في ماذا سيفعلون بعد الحوار؟
إذا انتهى الحوار إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وقانون واحد، ومؤسسات واحدة، وحقوق متساوية، فهو حوار يستحق أن يُمنح فرصته.
أما إذا تحول الحوار إلى طريق لإعادة إنتاج الأزمة، أو إلى تسوية تعيد السلاح المنفلت إلى المشهد السياسي، أو إلى تقاسم جديد للسلطة بين النخب، فلن يكون السودان قد خرج من أزمته؛ سيكون قد أجّلها فقط.
والسودانيون تعبوا من التأجيل.
تعبوا من حكومات انتقالية لا تكتمل، ومن اتفاقيات لا تعيش طويلاً، ومن موائد سياسية تبدأ باسم الوطن وتنتهي عند حدود السلطة.
آن للسودان أن يخرج من هذه الدائرة.
ليس المطلوب أن يتفق السودانيون على كل شيء؛ فهذا غير ممكن.
المطلوب أن يتفقوا على الأشياء التي لا يجوز الاختلاف عليها:
وحدة السودان سيادة السودان وطنية القوات المسلحة.
وحدة السلاح تحت قيادة الدولة ، حرمة الدم السوداني .
سيادة القانون.
وحق المواطن في الأمن والعيش الكريم.
ما عدا ذلك يمكن أن يكون مجالاً للاجتهاد السياسي.
يمكن أن تختلف الأحزاب.. يمكن أن تتنافس القوي السياسية ..
يمكن أن تتعدد الرؤى ، لكن لا يجوز أن تتعد الدولة ..
ولا يجوز أن تصبح السيادة موزعة بين عواصم الخارج ومراكز القوة في الداخل.
والسودان الذي خرج من الخراب لا يحتاج إلى وصفات سياسية مستوردة، ولا إلى وسطاء يقررون له شكل مستقبله، ولا إلى نخبة جديدة تعيد إنتاج أخطاء النخب القديمة.
السودان يحتاج إلى أبنائه.
إلى سياسيين يفهمون أن الوطن أكبر من الحزب.
وإلى عسكريين يدركون أن قوة الجيش في قوميته ومهنيته.
وإلى مجتمع مدني يعرف أن المعارضة ليست خصومة مع الدولة.
وإلى الجميع وهم يدركون أن لا أحد يملك السودان وحده.
ومن هنا تصبح دعوة الحوار ذات معنى مختلف.
الحوار ليس نهاية المعركة السياسية، بل بداية اختبار حقيقي: هل يستطيع السودانيون أن يتفقوا على دولة لا تُختطف مرة أخرى؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن الحوار واسعاً ومسؤولاً.
وإذا كانت الإجابة لا، فإن السودان سيظل يدور حول السؤال نفسه، مهما تغيرت الوجوه والعناوين.
أما العدالة، فلا ينبغي أن تكون ضحيةً لأي تسوية.
فالصفح السياسي شيء، وحقوق الضحايا شيء آخر.
ومن ثبتت مسؤوليته عن جريمة، فالقضاء هو الفيصل فيها، لا المفاوضات ولا المنابر السياسية.
ذلك هو الطريق الوحيد حتى لا يتحول السلام إلى ظلم جديد، ولا يتحول الحوار إلى غطاء للإفلات من المسؤولية.
السودان يحتاج اليوم إلى لحظة عقل.
لحظة يتقدم فيها الوطن على الحسابات، والدولة على الجماعة، والسيادة على المصالح، والقانون على الأشخاص.
فالذين يدافعون عن الدولة لا يدافعون عن شخص.
والذين يقفون مع القوات المسلحة لا يقفون مع حزب.
والذين يطالبون بالعدالة لا يغلقون باب السلام.
هذه كلها، في حقيقتها، معركة واحدة:
معركة بقاء السودان دولة.
*هوامش السيادة*
قد تختلف الخرطوم مع أم درمان، وقد تختلف الأحزاب فيما بينها، وقد تتباين الرؤى حول شكل الحكم ومستقبل السياسة.
لكن لا ينبغي أن يختلف السودانيون حول وطنهم.
السودان أولاً… ثم تأتي كل الحسابات الأخرى.
والسيادة التي دفع السودانيون ثمنها دماً لا ينبغي أن تصبح ورقة على طاولة المساومات.
دولة واحدة… جيش وطني واحد… قانون واحد… وسيادة لا تُقسم.
ذلك هو الحد الأدنى الذي يستحقه السودان بعد كل ما دفعه.



