البرهان بين البندقية وطاولة الحوار

مبادرة البرهان !!!

من يملك حق رسم السودان بعد الحرب؟

بقلم / محمد فؤاد عيد

في الحروب الطويلة لا تكون أخطر الأسئلة دائما هي من ينتصر في المعركة بل ربما يكون السؤال الأشد خطورة هو من يكتب شروط السلام بعد أن تصمت البنادق

وهذا بالضبط هو السؤال الذي أعاد إلى الواجهة خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني وما صاحبه من حديث عن حوار وطني شامل واستكمال هياكل الدولة وتشكيل مجلس تشريعي والانفتاح على مبادرات السلام بالتزامن مع تأكيده أن القوات المسلحة ماضية في حربها ضد قوات الدعم السريع وأن أي تسوية لا ينبغي أن تعيد تلك القوات وقياداتها إلى السلطة

للوهلة الأولى تبدو المعادلة واضحة حرب ضد قوة مسلحة خرجت على الدولة وحوار سياسي لإعادة بناء الدولة

لكن عندما نقترب أكثر من التفاصيل تظهر أسئلة أكثر تعقيدا

هل تفتح شروط البرهان بالفعل باب التسوية أم تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة ؟

وهل يستطيع قائد الجيش مهما كانت شرعيته الواقعية وقوة المؤسسة التي يقودها أن يحدد منفردا من يدخل إلى مستقبل السودان ومن يبقى خارجه ؟

وهل يمكن أن تجمع الدولة بين منطق دحر الخصم عسكريا ومنطق الحوار الشامل سياسيا دون أن يتناقض المساران ؟

ثم من الذي سيحدد في النهاية شكل السودان الجديد البندقية أم طاولة الحوار؟

أسئلة لا حصر لها تنتظر الإجابة !!

جديد المبادرة:

 

ما يميز الطرح الأخير ليس مجرد تكرار الدعوات السابقة للحوار بل محاولة الجمع بين ثلاثة مسارات تبدو مترابطة استمرار العمليات العسكرية وإطلاق حوار سياسي واستكمال مؤسسات السلطة الانتقالية وفي مقدمتها المجلس التشريعي

ويأتي ذلك بينما ما تزال الحرب بعيدة عن نهايتها فحتى أغسطس 2026 ما تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بنفوذ كبير في دارفور وتخوض معارك في كردفان بينما حقق الجيش مكاسب ميدانية خلال الفترة الأخيرة في مشهد يعكس استمرار الانقسام العسكري والجغرافي للبلاد

وهنا تكمن أهمية توقيت المبادرة

فالسلطة التي يقودها الجيش لا تنتظر نهاية الحرب كي تبدأ الحديث عن الدولة التي ستأتي بعدها وإنما تحاول بناء مؤسساتها السياسية بينما تستمر العمليات العسكرية

وهذا في ذاته ليس خطأ بالضرورة

فالدول لا تستطيع أن تؤجل السياسة إلى ما لا نهاية حتى ينتهي آخر اشتباك خصوصا في حرب امتدت منذ أبريل 2023 وسببت نزوحا واسعا ودمارا اقتصاديا وإنسانيا هائلا

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقدم العسكري إلى مصدر وحيد للشرعية السياسية

 

الشروط طريق للسلام أم شروط المنتصر :

 

يتمسك الجيش منذ فترة بأن أي مسار جاد للسلام ينبغي أن يؤدي إلى خروج قوات الدعم السريع من المدن والمواقع المدنية وتجميع قواتها وإنهاء وجودها العسكري الموازي للدولة

وفي يوليو الماضي اشترط الجانب المرتبط بالجيش ضمن التعامل مع مقترح سلام تقوده الولايات المتحدة الانسحاب الكامل للدعم السريع من المدن التي يسيطر عليها رغم موافقته على عناصر أخرى في الخطة بينها هدنة إنسانية ومفاوضات لوقف إطلاق النار وانتقال مدني حيث انة ومن منظور الدولة تبدو هذه المطالب مفهومة

فلا يمكن تصور دولة مستقرة فيها جيشان متوازيان كذلك لا يمكن إعادة إنتاج المعادلة نفسها التي كانت واحدة من جذور انفجار حرب أبريل حين تعثر الاتفاق على كيفية دمج الدعم السريع داخل القوات المسلحة ومسار الانتقال السياسي

لكن السؤال ليس فقط عن مشروعية الهدف

السؤال عن توقيت تحقيقه !!؟

إذا كان نزع سلاح الدعم السريع وخروجه من المدن وإنهاء وجوده العسكري والسياسي شروطا يجب تنفيذها بالكامل قبل بدء التسوية فما الذي سيبقى بعد ذلك للتفاوض عليه

عندها لن نكون عمليا أمام مفاوضات بين طرفين وإنما أمام مطالبة طرف مهزوم بتنفيذ شروط ما بعد الهزيمة قبل أن يجلس إلى الطاولة

وهنا يظهر الفرق بين شروط بدء التفاوض والنتائج التي يجب أن تنتهي إليها التسوية

يمكن أن يكون الهدف النهائي جيشا واحدا وسلاحا واحدا ودولة واحدة

ولكن الوصول إلى ذلك قد يحتاج إلى مراحل وقف إطلاق نار وانسحاب من المنشآت المدنية وفتح الممرات الإنسانية وعودة النازحين وتجميع القوات والترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج ثم الانتقال إلى تسوية سياسية ودستورية

أما مطالبة الخصم بتنفيذ النهاية قبل الدخول إلى البداية فقد تغلق الباب الذي يفترض أنها تريد فتحه

 

السلام أم الحسم :

 

هذه الثنائية ربما تكون مضللة للوهلة الأولى فالبرهان يستطيع أن يريد الاثنين معا وكثير من الحروب شهدت مفاوضات بينما كانت العمليات العسكرية مستمرة لأن كل طرف يحاول تحسين موقفه في الميدان لكي يدخل التفاوض بأوراق أقوى

والبرهان نفسه ظل يعلن استعداده للسلام بشرط أن ينهي ما تصفه الحكومة باحتلال الدعم السريع للمناطق السودانية وهي رؤية عبر عنها منذ سنوات الحرب الأولى

لذلك فإن الجمع بين الحرب والتفاوض ليس التناقض الحقيقي

التناقض يبدأ عندما تقول السلطة ندعوكم إلى حوار مفتوح لكننا حددنا مسبقا من يحق له دخول المستقبل وما الذي يجب أن تنتهي إليه العملية السياسية

عندها يتحول الحوار من وسيلة لصناعة التوافق إلى وسيلة للحصول على موافقة الآخرين على قرار اتخذ بالفعل

 

من يملك السودان :

 

ليس السؤال هنا عن منصب البرهان

فهو قائد القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة ومن الطبيعي أن يمتلك في ظروف الحرب تأثيرا هائلا في القرار العسكري والسياسي

لكن هناك فارقا جوهريا بين قيادة الدولة في ظرف استثنائي وبين امتلاك الحق المنفرد في تحديد مستقبلها

البرهان يستطيع أن يحدد موقف الجيش من الدعم السريع ويستطيع أن يقول إن القوات المسلحة لن تقبل بجيش مواز ويستطيع أن يضع تصوره للترتيبات الأمنية

لكن هل يستطيع منفردا أن يقرر شكل الدولة المقبلة ؟ وهل يستطيع أن يقرر القوى التي يحق لها المشاركة في الحكم ؟ بل هل يستطيع تحديد شكل الفترة الانتقالية ومن يشارك فيها وطبيعة النظام السياسي وعلاقة الجيش بالسلطة المدنية ؟

هنا تكون الإجابة مختلفة

السودان ليس ملكا للبرهان كما أنه ليس ملكا لحميدتي ولا لأي حزب أو حركة مسلحة أو تحالف مدني

الدولة السودانية أوسع من جميع الأشخاص والمؤسسات العابرة

والجيش مؤسسة وطنية يفترض أن تبقى بينما القادة والحكومات والتحالفات السياسية تتغير

 

البرلمان أخطر اختبار للمبادرة :

 

لعل أكثر أجزاء الطرح حساسية هو الحديث عن بدء حوار مع ما توصف بالقوى الوطنية لاستكمال مؤسسات الدولة وتشكيل المجلس التشريعي

فالسؤال ليس هل يحتاج السودان إلى مجلس تشريعي

نعم بالطبع يحتاج إليه

بل إن غياب السلطة التشريعية كان أحد أكبر عيوب المرحلة الانتقالية منذ سقوط نظام البشير

لكن السؤال هو من سيختار هذا البرلمان ومن هي القوى الوطنية التى يؤول إليها تشكيلة هل هي القوى التي وقفت مع الجيش أثناء الحرب فقط ؟ وماذا عن القوى المدنية التي عارضت الدعم السريع لكنها اختلفت أيضا مع السلطة القائمة ؟

وماذا عن لجان المقاومة والنقابات والمجتمع المدني والأقاليم والنساء والشباب والقوى السياسية التي لم تنخرط في أي من معسكري الحرب

إذا تشكل المجلس التشريعي أساسا من القوى المؤيدة للسلطة القائمة فلن تكون المشكلة في قانونية المجلس فقط وإنما في شرعيته السياسية

وسوف يواجه منذ يومه الأول سؤالا قاتلا

هل هذا برلمان السودان أم برلمان معسكر الحرب المنتصر ؟

 

خطر الدولة الموازية :

 

المسألة تصبح أكثر خطورة لأن الطرف الآخر يسعى بدوره إلى بناء شرعية سياسية موازية

فقد أعلن تحالف تقوده قوات الدعم السريع وحلفاؤها قيام حكومة موازية في مناطق نفوذهم بعد خطوات سياسية بدأت بتوقيع ميثاق لتأسيس ما سمي حكومة سلام ووحدة

وهذا يعني أن الصراع لم يعد على المدن والثكنات والطرق وحدها

هناك حرب أخرى تدور حول السؤال من يمثل السودان ولدينا خطر أن تتحول السيطرة العسكرية إلى مؤسسات سياسية في كل جانب

سلطة في مناطق الجيش وسلطة موازية في مناطق الدعم السريع

ثم يأتي كل طرف بعد سنوات ليقول إن لديه حكومته وبرلمانه وقوانينه ومؤسساته وهنا يصبح التقسيم أمرا واقعا قبل أن يجرؤ أحد على إعلان التقسيم رسميا

ولذلك فإن أي حوار وطني حقيقي يجب ألا يكون مجرد أداة لتقوية أحد المعسكرين في مواجهة الآخر وإنما وسيلة لاستعادة الدولة الواحدة من بين أنقاض سلطتين متنافستين

 

لا عودة للدعم السريع إلى السلطة ولكن ماذا تعني العبارة :

 

هذه من أكثر العبارات التي تحتاج إلى تفكيك وتحليل فإذا كان المقصود أنه لا يجوز أن تعود قوات الدعم السريع كجيش مواز يمتلك السلاح والمال والسلطة السياسية فذلك مبدأ يمكن الدفاع عنه بقوة فلقد دفعت البلاد ثمنا مرعبا لوجود منظومة أمنية تملك قوة عسكرية مستقلة خارج البناء الطبيعي للجيش

لكن إذا توسعت العبارة لتصبح أساسا لإقصاء قطاعات سياسية كاملة أو لإغلاق المجال أمام كل من اختلف مع السلطة أثناء الحرب فإننا ننتقل من معالجة أسباب الحرب إلى صناعة أسباب الحرب المقبلة

فالمحاسبة شيء والانتقام السياسي شيء آخر ومن ارتكب جريمة يجب أن يحاسب عليها أمام قضاء عادل ومن تورط في جرائم حرب أو انتهاكات ضد المدنيين لا ينبغي أن تحميه صفقة سياسية

لكن السوداني الذي يحمل رأيا سياسيا مخالفا لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى مجرم أو خائن أو شخص محروم من حقوقه السياسية

وإلا فإن السودان سيخرج من حرب السلاح ليدخل مباشرة إلى حرب الإقصاء

 

هل يستطيع المنتصر أن يكتب الدستور :

 

هنا نصل إلى جوهر القضية ربما ينتصر طرف عسكريا لكن الانتصار العسكري لا يمنح صاحبه تلقائيا تفويضا دستوريا ويمكن للجيش أن يهزم خصما في الميدان لكنه لا يستطيع أن يهزم التعدد السياسي والاجتماعي والجغرافي في السودان

ولا يستطيع أي قائد مهما اتسعت سلطته أن يصدر قرارا يقول فيه هذه هي هوية السودان وهذا نظام حكمه وهؤلاء مواطنوه المقبولون وهؤلاء خارج المستقبل

 

الدساتير المستقرة لا تكتبها المدافع

نعم وإذا كتبتها فإنها غالبا تعيش بقدر ما تبقى المدافع مصوبة إلى الآخرين

 

ما المطلوب !!؟ :

المطلوب ليس مطالبة الجيش بالتخلي عن مسؤولياته العسكرية

ولا مكافأة الدعم السريع بمنحه ما فشل في الحصول عليه بالبندقية ولا إعادة إنتاج الشراكة القديمة التي وضعت جيشين داخل دولة واحدة وانتهت بكارثة

المطلوب هو الفصل بين ثلاث قضايا كثيرا ما تختلط في الخطاب السوداني

إنهاء التمرد العسكري واستعادة احتكار الدولة للسلاح المحاسبة القانونية الفردية عن الجرائم والانتهاكات مع فتح المجال السياسي أمام السودانيين لصناعة نظامهم المقبل دون احتكار من الجيش أو المليشيات أو الأحزاب فإذا نجح السودان في الفصل بين هذه الملفات يمكن أن يصبح الحوار طريقا إلى السلام

أما إذا جرى دمجها بحيث يحدد المنتصر العسكري أيضا المنتصر السياسي فسوف يصبح السلام مجرد امتداد للحرب بوسائل أخرى

 

البرهان أمام امتحان أكبر من الحرب :

نعم ربما يكون التحدي الحقيقي أمام البرهان الآن ليس فقط أن يكسب الحرب بل أن يثبت أن انتصار الدولة إن تحقق ليس انتصارا لحاكم على خصومه وإنما انتصار للدولة على الفوضى ولعل الفارق بين الأمرين هائل فإذا كان البرهان جادا في الحوار الشامل فإن أفضل ضمانة لصدق المبادرة ليست أن يعلن بنفسه نتائجها مسبقا وإنما أن يسمح للسودانيين بأن يناقشوا حتى الأفكار التي لا تعجبه وإذا كان يريد مجلسا تشريعيا يمثل البلاد فالأقوى له وللدولة ألا يكون المجلس صورة مكبرة لمعسكر المؤيدين

وإذا كان يريد جيشا وطنيا واحدا فإن قوة هذا الجيش في المستقبل لن تأتي فقط من قدرته على الانتصار في الحرب وإنما من وقوفه على مسافة واحدة من التنافس السياسي بعد انتهائها

أما إذا تحولت انتصارات الميدان إلى تفويض مفتوح لإعادة تشكيل السياسة والدستور والدولة وفق رؤية طرف واحد فإن السودان سيكون قد تخلص من خطر ليبدأ في صناعة خطر جديد

ويأتى السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه الحرب السودانية دخلت مرحلة أصبح فيها الجميع تقريبا يتحدثون عن اليوم التالي لكن اليوم التالي لمن للجيش ام للدعم السريع ولا للأحزاب واخيرآ للحركات المسلحة أم للسودانيين باختلاف قبائلهم وجهوياتهم ؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يخرج السودان من حرب دمرت مدنه ومؤسساته ثم يجد نفسه أمام تسوية تحددها موازين البنادق وحدها

ولهذا فإن المبادرة التي أعلنها البرهان يمكن أن تكون بابا حقيقيا للخروج من الأزمة إذا تحولت شروطه من أحكام نهائية إلى أرضية تفاوض وإذا أصبح الحوار مستقلا فعلا وإذا بني المجلس التشريعي على تمثيل واسع وإذا بقي الجيش حارسا للدولة لا مالكا للمجال السياسي

أما إذا أصبح الحوار مجرد طريق لإضفاء الشرعية على واقع صنعته الحرب فسوف نفقد فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة

فالبرهان بلا شك أحد أهم الرجال الذين سيؤثرون في مستقبل السودان

لكنه مثل حميدتي ومثل كل قائد سياسي أو عسكري ليس صاحب السودان ولا صاحب الحق المنفرد في كتابة مستقبله

وإذا كانت الحرب قد علمتنا شيئا فينبغي أن يكون هذا الشيء واضحا

لا يجوز أن يخرج السودان من مأساة وجود جيشين ليقع في مأساة وجود إرادة سياسية واحدة فالدولة الواحدة تحتاج جيشا واحدا لكنها ايضآ تحتاج وطنا يتسع لأكثر من صوت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى