المخدرات.. حين لا يسقط فرد واحد، بل يسقط جيل كامل

بقلم: أبرار الغازي كشان
ليست الحرب وحدها ما يهدد مستقبل السودان.. فبينما تنشغل البلاد بجراحها المفتوحة، وتكافح الأسر من أجل البقاء، تتسلل إلى المجتمع ظواهر أخرى لا تقل خطورة؛ لأنها لا تستهدف الجدران ولا الطرقات، بل تستهدف الإنسان نفسه.
*المخدرات ..*
قضية قد تبدو في ظاهرها شأنًا فرديًا، لكنها في حقيقتها أزمة تمتد من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى مستقبل جيل كامل.
فحين يقع شاب في دائرة التعاطي، لا يسقط وحده. تسقط معه أسرة كاملة تبدأ في مواجهة الخوف والقلق والإنهاك، ويتراجع مستقبل كان يمكن أن يكون مختلفًا، وتبدأ دائرة من الخسائر قد لا تتوقف عند حدود المنزل.
وهنا يجب أن نعيد طرح السؤال:
هل المخدرات مشكلة فرد، أم أنها قضية مجتمع؟
الإجابة واضحة: إنها قضية مجتمع.
المخدرات لا تستهدف جسد الإنسان وحده، بل تمتد آثارها إلى عقله ونفسيته وإرادته وعلاقاته وقدرته على الدراسة والعمل وصناعة المستقبل.
ولهذا تبدو كأخطبوط متعدد الأذرع؛ ذراع تمتد إلى العقل، وأخرى إلى الجسد، وأخرى إلى النفس، وأخرى إلى الأسرة، وأخرى إلى المجتمع.
لكن الأخطر من المخدر نفسه هو البيئة التي تسمح له بالوصول إلى الإنسان.
فالشاب لا يصل إلى التعاطي من فراغ. قد يبدأ الأمر بتفكك أسري، أو فراغ، أو صحبة سيئة، أو ضغوط نفسية، أو محاولة للهروب من واقع مؤلم، أو بحث عن الانتماء، أو ظروف اجتماعية قاسية.
ولهذا فإن سؤال:
«لماذا تعاطى؟» لا يكفي.
السؤال الأهم هو:
«ماذا حدث قبل أن يتعاطى؟»
أين كانت الأسرة؟
أين كانت المدرسة؟
من كان يستمع إليه؟
ومن كان يلاحظ التغيرات التي تحدث في حياته؟
وأين كانت المساحة التي يستطيع فيها الشاب أن يتحدث عن خوفه وضغوطه وأزماته، دون أن يخشى الحكم عليه؟
هذه الأسئلة ليست لتبرير التعاطي، وإنما لفهم الطريق الذي يقود إليه.
فالمدمن لم يولد مدمنًا، وصاحب السوء لم يظهر فجأة، والانهيار لا يحدث في يوم واحد.
هناك سلسلة من التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير خطيرة في بدايتها، لكنها قد تنتهي بكارثة كبيرة.
الحرب.. والظواهر التي تنمو في الظل
وفي السودان، لا يمكن الحديث عن انتشار الظواهر السالبة بمعزل عن الحرب وآثارها.
الحرب لم تهدم المنازل والمؤسسات والطرق فقط، بل أحدثت اضطرابًا عميقًا في البنية الاجتماعية، ودفعت الناس إلى النزوح، وفرقت أسرًا، ووسعت دائرة الضغوط النفسية، وخلقت فراغًا وعدم استقرار في حياة كثير من الشباب.
وفي البيئات المضطربة، تجد الظواهر السالبة مساحة أكبر للانتشار.
ومن أخطرها المخدرات.
وهذا ليس مجرد انطباع اجتماعي؛ فقد أشار السودان، في بيان أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمخدرات والجريمة، إلى تأثير الحرب في مؤسسات الدولة والنظام الصحي ومراكز إعادة التأهيل، وإلى التحديات التي يمكن أن تواجه البلاد في التصدي لإنتاج المخدرات والاتجار بها وتوزيعها واستهلاكها في مرحلة ما بعد النزاع.
هذه الإشارة لا ينبغي أن تمر باعتبارها مجرد معلومة عابرة.
لأن الحرب قد تنتهي يومًا، لكن آثارها الاجتماعية والصحية والنفسية يمكن أن تستمر لسنوات.
وإذا لم ننتبه إلى ملف المخدرات الآن، فقد نجد أنفسنا أمام أزمة أكثر تعقيدًا في المستقبل.
المخدرات لا تدمر فردًا فقط
والأمر لا يتوقف عند الشخص الذي يتعاطى.
حين يقع شاب في الإدمان، فإن الأسرة بأكملها تدخل معه في دائرة المعاناة.
الأب الذي يبحث عن العلاج.
الأم التي تعيش الخوف.
الإخوة الذين يتأثرون بالتوتر داخل المنزل.
والأسرة التي قد تستنزف مواردها في محاولة إنقاذ أحد أفرادها.
ثم يأتي المجتمع ليدفع ثمنًا آخر.
لأن الشاب الذي يفقد صحته أو تعليمه أو عمله بسبب المخدرات ليس مجرد فرد خسر مستقبله.
إنه طاقة اجتماعية كان يمكن أن تساهم في بناء المجتمع.
وهنا يصبح السؤال أكبر:
كم عقلًا يمكن أن نخسره؟
وكم شابًا يمكن أن نمنعه من الوصول إلى هذه المرحلة إذا تحركنا مبكرًا؟
*المواجهة ليست أمنية فقط*
مواجهة المخدرات لا يمكن أن تكون أمنية فقط، مهما كان الدور الذي تؤديه الأجهزة الأمنية والشرطية والإدارة العامة لمكافحة المخدرات في ملاحقة شبكات الترويج والاتجار والحد من انتشار هذه المواد.
المواجهة الحقيقية تحتاج إلى منظومة كاملة.
الدولة مسؤولة.
الأسرة مسؤولة.
المدرسة مسؤولة.
الجامعة مسؤولة.
الإعلام مسؤول.
المؤسسات الدينية مسؤولة.
والمجتمع المدني مسؤول.
كل جهة تملك جزءًا من الحل.
نحتاج إلى خطط توعوية مستمرة، لا حملات موسمية.
نحتاج إلى محاضرات وورش في المدارس والجامعات.
نحتاج إلى برامج إعلامية تتناول القضية بعمق، لا أن تكتفي بالتحذير.
نحتاج إلى إشراك الشباب أنفسهم في صناعة رسائل التوعية.
ونحتاج إلى تعاون حقيقي بين الجهات الصحية والأمنية والتعليمية والإعلامية.
ونحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن تصل رسالة الوقاية إلى الشاب قبل أن يصل إليه المروج.
وماذا عن من وقعوا في الإدمان؟
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو الطريقة التي ننظر بها إلى الشخص الذي وقع بالفعل في الإدمان.
لا يمكن أن تكون الإجابة هي الإدانة وحدها.
الإدمان مشكلة معقدة، وقد يحتاج من يعاني منه إلى علاج متخصص، ودعم نفسي واجتماعي، ومساندة أسرية.
نعم، علينا أن نواجه التعاطي بحزم، لكن علينا أيضًا أن نفتح أبواب العلاج أمام من يريد الخروج.
لأن الهدف النهائي ليس أن نثبت أن شخصًا أخطأ.
الهدف أن ننقذ إنسانًا قبل أن نخسره.
*المخدرات.. قضية رأي عام*
وإذا كانت المخدرات قد أصبحت قضية رأي عام، فيجب أن نتعامل معها على هذا الأساس.
لا يكفي أن نتحدث عنها بعد ضبط شحنة.
ولا أن نتذكرها بعد وقوع جريمة.
ولا أن نكتب عنها عندما تصبح قضية متداولة.
نحتاج إلى أن تصبح التوعية بالمخدرات جزءًا ثابتًا من خطاب المجتمع.
في المدارس.
في الجامعات.
في المساجد والجوامع.
في الإعلام.
في مراكز الشباب.
وفي داخل الأسرة نفسها.
نحتاج إلى مؤتمرات وندوات وورش عمل تجمع المختصين والأجهزة الأمنية والمعلمين والأطباء والإعلاميين والشباب، لوضع خطط عملية لا تكتفي بوصف المشكلة.
فالصحافة ليست مهمتها أن تقول لنا إن هناك كارثة فقط.
مهمة الصحافة أيضًا أن تسأل: لماذا حدثت؟ ومن المتضرر؟ ومن المسؤول؟ وماذا يمكن أن نفعل؟
*حين نعتاد الخطر*
المخدرات ليست قضية شخص قرر أن يجرب.
إنها قضية أسرة قد تنهار.
وشاب قد يفقد مستقبله.
وطفل قد يكبر وسط آثار الإدمان..ومجتمع قد يخسر طاقاته..ووطن يحتاج إلى كل عقل قادر على البناء.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نعتاد المشهد.. أن يصبح وجود المخدرات أمرًا عاديًا.
أن نسمع عن شاب أدمن فلا نتوقف.. أن نسمع عن أسرة انهارت فلا نسأل. أن نرى طفلًا معرضًا للخطر فنعتبر الأمر بعيدًا عنا.
فالظواهر الخطيرة لا تصبح أقل خطورة لأننا اعتدنا وجودها.
المعركة تبدأ قبل السقوط.. قد تبدأ الحكاية بفضول.
وقد تبدأ بصديق.
وقد تبدأ بمحاولة للهروب من ضغط نفسي.
لكن ما يبدو خطوة صغيرة قد يقود إلى طريق طويل.
ولهذا لا ينبغي أن ننتظر السقوط حتى نبدأ الإنقاذ.
علينا أن ننتبه قبل السقوط.. أن نستمع قبل الانهيار.. أن نحمي قبل أن نضطر إلى العلاج.
وأن نعيد للشباب شعورهم بأن لهم مكانًا آمنًا في هذا المجتمع، ومستقبلًا يستحق أن يتمسكوا به.
لأن المعركة الحقيقية ضد المخدرات لا تجري فقط في الشوارع والمنافذ ومراكز الضبط.
المعركة الحقيقية تبدأ داخل العقل.
وحين نخسر الطريق إلى عقل شاب، قد نخسر معه سنوات من عمره، وأسرة كاملة، واحتمالًا من احتمالات المستقبل.
وفي وطن أنهكته الحرب، لا نملك رفاهية خسارة المزيد.
السودان الذي نريد أن نبنيه بعد الحرب لن يحتاج إلى إعادة بناء الحجر فقط.
سيحتاج إلى إعادة بناء الإنسان.
والإنسان الذي نحمي عقله اليوم، قد يكون هو من يبني السودان غدًا.
لهذا، فإن مكافحة المخدرات ليست ملفًا أمنيًا فقط.
وليست حملة موسمية.
وليست مسؤولية جهة واحدة.
لكنها معركة من أجل الإنسان.. ومعركة من أجل جيل.. ومعركة من أجل وطن.



