أسمرا.. السفارة جبهةً للدبلوماسية السودانية

بقلم/ إسماعيل شريف

 

في زمن الحرب، لا تُقاس السفارات بعدد المناسبات التي تقيمها، ولا بعدد الصور التي تجمع السفراء بالمسؤولين، وإنما بقدرتها على تحويل وجودها الدبلوماسي إلى حضور سياسي مؤثر، وإلى جسور مفتوحة مع الدولة المضيفة ومؤسساتها ومجتمعها، وإلى حماية حقيقية لمصالح بلادها ومواطنيها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة السفارة السودانية في أسمرا جديرة بالتوقف عندها. فالمشهد الذي يتابع نشاط السفارة خلال الفترة الأخيرة يكشف عن دبلوماسية تتحرك على أكثر من مسار، ولا تحصر مهمتها في القنوات الرسمية التقليدية. هناك تواصل مع المؤسسات الحكومية الإريترية، واتصالات مع السفراء والبعثات الدبلوماسية، وحضور في الملفات الإنسانية والقنصلية، وانفتاح على الإعلام الإريتري، فضلاً عن الاهتمام بالجالية السودانية ومشكلاتها.

فالسودان لا يتعامل في إريتريا مع دولة بعيدة جغرافياً أو محدودة الأثر السياسي، وإنما مع جار تربطه به حدود وتاريخ ومصالح أمنية واقتصادية واجتماعية متشابكة. وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع حسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي وإثيوبيا والسودان ومصر ودول الخليج، تصبح أسمرا واحدة من العواصم التي لا يجوز للخرطوم أن تغيب عنها. ولذلك فإن النشاط الدبلوماسي السوداني هناك ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من الأمن القومي، لا مجرد حركة بروتوكولية.

وقد نجحت السفارة، خلال الفترة الأخيرة، في بناء قنوات اتصال متعددة داخل المجتمع الإريتري. فاللقاءات مع القيادات الإعلامية الإريترية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد نشاط اجتماعي؛ بل مثلت محاولة لشرح الرواية السودانية وتقديم المعلومات حول تطورات الحرب إلى مؤسسات إعلامية مؤثرة في بلد مجاور. كما شارك مسؤولون إريتريون في فعاليات نظمتها السفارة، بما يعكس اتساع دائرة التواصل بين البعثة ومؤسسات الدولة المضيفة. وفي الجانب الآخر، تبدو الدبلوماسية القنصلية حاضرة أيضاً. فمع تعقيدات حركة السودانيين عبر أسمرا، برز التنسيق مع السفارة السعودية في معالجة أوضاع العابرين والعالقين، وهي قضية قد تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها في واقع الأمر تمس حياة مواطنين سودانيين وتحتاج إلى قدرة عالية على التنسيق بين أكثر من بعثة ومؤسسة. وهنا تحديداً تظهر قيمة السفارة التي تعرف أن حماية مصالح الدولة تبدأ أحياناً من ملف مواطن واحد.

أما سياسياً، فقد أصبحت السفارة منصة مهمة لشرح الموقف السوداني أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين. فقد التقى السفير السوداني في أسمرا بمسؤولين إريتريين وبجهات دولية، كما انخرطت البعثة في اتصالات تتصل بالملف الإنساني وتنسيق العمل مع الأمم المتحدة.

والأهم من ذلك كله أن السفارة تعمل في بيئة سياسية تبدو فيها العلاقة بين الخرطوم وأسمرا أكثر أهمية من أي وقت مضى. فزيارة رئيس مجلس السيادة إلى أسمرا في يوليو 2026، وما رافقها من تأكيد على تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين، تؤكد أن العلاقة السودانية الإريترية تجاوزت مستوى المجاملة الدبلوماسية إلى مساحة أوسع من المصالح الاستراتيجية المشتركة.

وفي مثل هذا السياق، يصبح السفير أكثر من ممثل لوزارة الخارجية. إنه عين الدولة في عاصمة تقع على واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. ومن هنا يمكن فهم جانب من النشاط الملحوظ للسفارة السودانية في أسمرا خلال الفترة الماضية. فالدبلوماسية هناك تتحرك في مساحة ضيقة بين الحرب والسياسة والأمن والإعلام والإنسان، وتحاول في الوقت ذاته المحافظة على علاقة استراتيجية مع دولة ظلت مواقفها تجاه السودان ذات أهمية واضحة في ظروف الحرب.

لكن الإنصاف يقتضي القول إن نجاح السفارة لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للمجاملة. فالاختبار الحقيقي للدبلوماسية السودانية في أسمرا هو هل تستطيع هذه الحركة الكثيفة أن تنتج مصالح سودانية ملموسة؟ هل يمكن أن تتحول العلاقات السياسية إلى تجارة واستثمار وحركة حدودية أكثر انتظاماً؟ هل تستطيع السفارة أن تجعل من أسمرا جسراً للسودان نحو فضاء القرن الأفريقي، لا مجرد عاصمة صديقة وهل يمكن استثمار التقارب السياسي في بناء تعاون طويل الأمد في النقل والموانئ والزراعة والثروة الحيوانية والتبادل التجاري والثقافي؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة التجربة في نهاية المطاف.

 

فالدبلوماسية الناجحة لا تكتفي بإدارة العلاقات القائمة، وإنما تصنع فرصاً جديدة. ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن العلاقات السودانية الإريترية نفسها تمتلك أرضية تاريخية صلبة؛ فالعلاقة بين البلدين تتجاوز حدود الجغرافيا إلى تداخل اجتماعي وتاريخي وأمني عميق، وهو ما يمنح السفارة مساحة واسعة لبناء ما هو أبعد من العلاقات الرسمية. لقد اعتدنا، في السودان، أن نبحث عن نجاح الدبلوماسية في العواصم الكبرى:القاهرة، الرياض، واشنطن، أنقرة أو موسكو. لكن الجغرافيا لا تعرف هذا الترتيب. أحياناً تكون العاصمة الصغيرة الواقعة على حدودك أكثر أهمية من العاصمة البعيدة. وأسمرا واحدة من تلك العواصم. ولهذا فإن ما يجري في السفارة السودانية بأسمرا يستحق أن يُقرأ بعين مختلفة: ليس باعتباره نشاط سفارة فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من إعادة بناء الحضور السوداني في محيطه الأفريقي والبحر الأحمر.

وفي زمن الحرب، قد تكون أهم مهمة للدبلوماسية السودانية هي أن تمنع السودان من أن يصبح مجرد موضوع تتحدث عنه عواصم الآخرين. أن يتحدث السودان بنفسه. أن يشرح قضيته بنفسه. أن يبني تحالفاته بنفسه. وأن يحوّل علاقاته التاريخية إلى مصالح حاضرة ومستقبلية. وفي هذا الاختبار، تبدو أسمرا مساحة واعدة.

وهذا، في النهاية، هو المعنى الحقيقي للسفارة حين تتحول من عنوان دبلوماسي إلى جبهة من جبهات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى