علم الدين عمر يكتب : العقل التقليدي لا ينتج سيارة كهربائية !!

حاجب الدهشة ..
ظللت سحابة نهار الأمس في حالة جدال مع أحد الأصدقاء من الذين لم يغادروا الخرطوم قط.. تمسك بمكمنه النبيل فيها وهي تتهادي ثم تتهاوي.. ثم تتعافي.. كان يصر علي ضرورة البحث عن سيارتي المفقودة.. لكونه شاهداً علي وفائها لنا في الملمات والليالي الملاح..وكنت أسعي لإقناعه بأننا قد أستودعناها أسرارنا وتفاصيلنا.. وصورتنا (الخايفين عليها).. والعوض من الله.. وقد أشفقت عليه وهو يحدثني عن أسعار الوقود وكُلفة مشاوير المحنة في السودان هذه الأيام.. ولذلك ربما لا توجد صورة تختصر مفارقة السودان اليوم أكثر من سيارة كهربائية تخرج من مصانع نجت من الحرب.. فبينما لا تزال البلاد تحاول تضميد جراحها وإعادة تشغيل مؤسساتها.. وإصلاح ما دمرته الحرب في البنية التحتية والإنتاج والخدمات..كانت مجموعة جياد للصناعات الهندسية تفكر في شيء يبدو للوهلة الأولى خارج سياق اللحظة تماماً.. سيارة تعمل بالطاقة الكهربائية.. صديقة للبيئة.. أقل استهلاكاً للوقود.. وأكثر إقتصاداً في التشغيل وقطع الغيار..
هي في الحقيقة، ليست خارج سياق المرحلة.. إن لم تكن أكثر تعبيراً عنها..
فالذي يريد أن يخرج من الحرب لا يستطيع أن يكتفي بإعادة إنتاج الماضي.. ليس المطلوب فقط أن تعود المصانع إلى العمل..وأن تستعيد المؤسسات مكاتبها.. وأن تدور الآلات كما كانت قبل الحرب.. المطلوب أن تكون عملية التعافي نفسها قفزة إلى الأمام..هذا ما يجعل تجربة جياد جديرة بالتوقف عندها.. الشركة لم تتعامل مع الحرب كسبب لتعليق المستقبل بقدر ما أعتبرته ظرفاً قاسياً يفرض إعادة التفكير في المستقبل نفسه..
السيارة الكهربائية ليست مجرد منتج صناعي يضاف لقائمة منتجات جياد.إنها إعلان عن فلسفة جديدة لمنتجات أقل كلفة.. وأعلى كفاءة.. وأقل اعتماداً على الوقود.. وأكثر إلتصاقاً بالبيئة.. والأهم أنها مصنوعة بعقلية تتطلع إلى الغد وتنجاوز الأمس الذي حاولت المليشيا تدميره تماماً.. المجموعة لم تصل لهذه اللحظة من طريق ممهد.. لقد كنت شاهداً مشفقاً.. مشجوناً.. معبورا علي ما تعرضت منشآتها ومصانعها ومستودعاتها ومعداتها لدمار ونهب ممنهج ومقصود.. فقد طالت آثار الحرب قطاعات واسعة من بنيتها الإنتاجية.. في واحدة من أكبر الضربات التي تعرض لها القطاع الصناعي السوداني.. ومع ذلك.. لم تتعامل قيادة المجموعة مع الخراب كنهاية للطريق..
تماسكت القيادة.. وتمسك العاملون والمهندسون بمؤسستهم.. وبدأت معركة العودة..
لم تنتظر جياد إكتمال الظروف المثالية.. ولم تجعل من توقف بعض مصانعها سبباً لتوقف المجموعة كلها.. تحركت وفق عقلية مختلفة.. إعادة ترتيب الأولويات..استعادة خطوط الإنتاج الممكنة.. تشغيل المعامل.. فتح منافذ الخدمة.. توسيع نقاط الحضور.. والاستفادة من كل مساحة يمكن أن تستوعب عودة النشاط..
كان ذلك تفكيراً خارج الصندوق في زمن لم يعد يسمح أصلاً بالتفكير التقليدي..
اللافت أن جياد لم تكتفِ باستعادة ما كان قائماً قبل الحرب..إنما بدأت في بناء مسارات جديدة.. ففي الوقت الذي كان فيه كثيرون منشغلين بتفاصيل وتحديات إعادة عجلة الإنتاج إلى ما كانت عليه؟ كانت جياد تطرح سؤالاً أكثر قوة.. كيف نجعل عجلة الإنتاج أكثر كفاءة مما كانت عليه؟..
السيارة الكهربائية كانت نتيجة طبيعية لمسار كامل.. وليست مفاجأة منفصلة عن السياق الإستراتيجي للعودة فيما يبدو..
كان التفكير أولاً.. والمبادرة ثانياً.. وإرادة التنفيذ ثالثاً.. ثلاثية الإختراق المدهش الذي أستعصي علي كثير من المؤسسات..
وهي المراحل ذاتها التي يحتاجها السودان في معركة إعادة الإعمار..
إن القيمة الحقيقية في تجربة جياد لا تكمن فقط في أنها عادت إلى الإنتاج.. القيمة الحقيقية في أنها أثبتت أن المؤسسة الوطنية تستطيع..حتى في أقسى الظروف.. أن تمتص آثار الصدمة وتحول الأزمة لفاعل في صناعة الحل..
إذا كانت جياد قد استطاعت أن تنتقل إعادة تأهيل مصانع تعرضت للدمار في الماضي إلى سيارة كهربائية تنتمي للمستقبل.. فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه مؤسسات السودان كلها هو.. لماذا لا تتحول كارثة الحرب إلى فرصة لإعادة تأسيس الاقتصاد والدولة على أسس أكثر كفاءة وإنتاجاً واستقلالاً؟..
تجربة جياد لا تقول إن الطريق سهل..هو فقط ممكن.. فقد تمددت هذه المؤسسة العملاقة عقب نشوب الحرب مباشرة في الولايات الآمنة وتمكنت من فتح خطوط إنتاجها وتجميع موظفيها وتحسس ميزاتها الفنية والإدارية في صمت كامل..ثم نهضت مثل طائر الفينيق من بين رمادها.. كتجربة تستحق الدعم والمؤازرة والإسقاط علي بقية مؤسسات الدولة ليتمكن السودان من النهوض مرة أخري.. فربما ثمة فرصة تاريخية نادرة في الأرجاء يجب إقتناصها..



