السودان والسعودية.. بناء العلاقة على أسس استراتيجية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ويجب هنا لفت الانتباه إلى أن ما تم توقيعه بتاريخ ١٧ أغسطس الجاري في الرياض بخصوص إنشاء مجلس التنسيق والتعاون الاستراتيجي بين السودان والسعودية لم يكن مجرد إعلان عابر، بل هو امتداد طبيعي لعملية مأسسة العلاقة بين البلدين، فهو الأمر المتفق عليه منذ مارس ٢٠٢٥م، وأعيد الحديث عن تشكيله من قبل رئيس مجلس السيادة/ عبدالفتاح البرهان في يناير ٢٠٢٦م، ثم تم الإعلان عن الاجتماع التأسيسي له على لسان وزير الخارجية السوداني في مايو من نفس العام، في مسار متدرج لبناء العلاقة بين البلدين.
وعلى الرغم من أن القراءة في تاريخ العلاقات السودانية السعودية ترجح كفة الاستقرار والارتباط بين البلدين، إلا أن ما حدث لا يمكن فصله من التأسيس الجديد لوضعية الرياض في السياسة الإقليمية والدولية على يد القيادة السعودية الجديدة، والتحولات الكبيرة التي يشهدها الإقليم في إطار إعادة هندسة القوة السياسية والاقتصادية والأمنية، ونظن بأن الإشارة هنا والتذكير بما تمت تسميته باتفاق مكة أغسطس الجاري بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يؤكد ما ذهبنا إليه آنفًا، وملفات السودان بقراءة استراتيجية لا يمكن فصلها عن قضايا أمن البحر الأحمر والشرق الأوسط وصراع النفوذ في المنطقة.
(*) اتفاقيات مع مراعاة فرق التوقيت..
الطريق السهل الذي مضى إليه المحللون لتفكيك خبر تأسيس مجلس للتنسيق والتعاون الاستراتيجي بين السودان والسعودية هو طريق “التوقيت” المتعلق مع “اتفاق مكة” وزيارة رئيس هيئة الأركان السودانية وعضو مجلس السيادة الفريق/ ياسر العطا لأنقرة الأسبوع المنصرم، وربط النتائج بمسار الحرب وتصاعدها في محور كردفان والتقدمات التي ظل يحققها الجيش في هذا المحور، إلا أن فرق التوقيت في هذا التحليل يسقط من حساباته أن المملكة العربية السعودية لم تكن في الأصل بالبعيدة عن ملف السودان حتى قبل الحرب في هندسة الحل السياسي بين الفرقاء السودانيين، وكانت جدة ومنبرها هي الأسبق لفتح منبرها للقاء قيادات الجيش ومليشيا الدعم السريع، وتأكيد دعم المملكة بذلك على دعمها لوحدة وسلامة الأراضي السودانية، ومن بعد ذلك انخراطها في الآلية الرباعية للتعامل مع الملف السوداني.
ومع ذلك لا يمكن إهمال توقيت توقيع الاتفاق في سياق حرب تدور الآن في السودان، وحساب أن ما حدث يمثل اختراقًا للدبلوماسية السودانية وتحريك “رُخ” في طاولة الشطرنج التي تلعب فيه هذه الدول دورًا مهمًا وأصيلًا في المنطقة، ويعطي ذلك الوزن والدعم لشرعية تبحث عنها الحكومة السودانية، لأن ملف “الشرعية” يشهد حربًا لتكسير العظام لا تقل ضراوة عن تلك الحرب في ميادين القتال.
(*) على ماذا تم الاتفاق؟
وهذا هو السؤال المهم الذي يبحث عن إجابة بغير تلك “التعاميم” الصادرة في التصريحات ذات الطابع الدبلوماسي في أن هنالك ١٠ ملفات تم نقاشها وتضمينها ضمن موضوعات مجلس التنسيق الاستراتيجي، وتحدث عنها وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم والسيد/ فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، واتفقا فيها على الجوانب الاقتصادية والسياسية والتجارية وتعزيز التعاون بين البلدين.
وهنا يجوز لنا طرح السؤال المهم عن ما هي إمكانية التنسيق المشترك بين المملكة العربية السعودية والسودان في الملفات والأنشطة التي تم التصريح بها، والحالة السودانية هي حالة حرب تشكل تهديدًا وجوديًا للدولة السودانية؟
أم أن هنالك ملفًا آخر يملك الرقم ١١ بعد الملفات العشرة التي تم التصريح بها، يتعلق بالحرب والأمن وإعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة؟
استدعاء مثل هذه الأسئلة والبحث عن إجابات لها يبدو منطقيًا إذا ما استدعينا ما صرح به وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم بالقول بأن التنسيق في المجلس يشمل أيضًا قضايا الأمن والدفاع وأمن البحر الأحمر.
وفي ظل القراءة الموضوعية لما حدث، فإننا نقول بأن المنطق يدعم فكرة أنه لا يمكن الفصل فصلًا كاملًا بين الملفات الاقتصادية وقضايا الأمن، فكلاهما يرتبط ببعضه البعض، وأن المكون الرئيسي في إعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة والإقليم هو الاقتصاد، وهو المكون الذي يظهر في الواجهة، بينما تبقى المحددات الأمنية والعسكرية خلف الستار، والسباق الإقليمي يقول ذلك بوضوح.
وصحيح أن الاتفاق والتصريحات ذات العلاقة بتشكيل مجلس التنسيق الاستراتيجي بين البلدين مكتوبة بلغة “اقتصادية”، لكن لا يمكن تجاهل أن التوقيع قد تم في سياق تحكمه أجواء الحرب والظروف الأمنية.
وإذا ما أردنا الإجابة على السؤال أعلاه، فإننا نستطيع القول بأن المملكة العربية السعودية ومنذ بدايات التحولات الكبيرة في المشهد السوداني أعلنت عن نفسها باعتبارها شريك “السلام” في السودان، بفتح “منبر جدة” كأول منصة تتعامل مع فرضية التفاوض والحل السياسي لأزمة الحرب السودانية، شراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويمكن الإجابة أيضًا في إطار أوسع بأن الحرب وتطاول أمدها قد فرض على السودان أن يكون جزءًا من تحالفات وتوازنات إقليمية بات تأثيرها على ميزان القوة العسكري ملاحظًا، الشيء الذي يجعل من المملكة العربية السعودية شريكًا أصيلًا في “ميزان القوة”.
ووفقًا لما تريده الخرطوم من الرياض عبر هذا المجلس التنسيقي، يمكننا فهم طبيعة عمله ودواعي تشكيله، فخرطوم اليوم بالضرورة هي تنظر للرياض الآن من زاوية الحوجة لوساطة إيجابية وتدعم الثوابت التي ظلت الخرطوم تعلن عنها في كل وقت من ناحية، ومن ناحية أخرى تحتاج الخرطوم لقوة وازنة سياسيًا تكفل لها معادلة أي دعم مقابل في الجانب الآخر، لأن المعركة انتقلت بالضرورة من الميدان إلى المنصات الدولية.
في ظل الحرب وتكاليفها الاقتصادية المستمرة، تنتظر الخرطوم الرياض في ملفات المشاريع الاستراتيجية والتنموية ودعم الاقتصاد السوداني في زمن الحرب، إضافة لحاجتها لتعزيز وتقوية القدرات العسكرية للجيش السوداني في مواجهة حرب تستنزف اقتصاد البلد وموارده.
الإجابة المهمة التي يقدمها التوقيع على إنشاء وتشكيل هذا النوع من المجالس هو الانتقال في العلاقة بين البلدين من أدوار الوساطة لإنهاء حرب قائمة الآن إلى التفكير في مرحلة التخطيط الاستراتيجي لسودان ما بعد الحرب.
أمن البحر الأحمر من الدوافع للاتفاق التي لا يمكن إسقاطها على الإطلاق حال رغبنا في الإجابة على سؤال: على ماذا تم الاتفاق؟ خاصة وأن السودان يمثل نقطة استراتيجية شديدة الحساسية في البحر الأحمر ولأمن الملاحة فيه، وبالتالي فإن الرياض تنظر للسودان كطرف أصيل في أمنها القومي والاستراتيجي.
الحديث عن الاتفاق هو جزء من خطة إعادة هندسة النفوذ في الإقليم وإعادة تموضع لمركبات التحالفات فيه، قد يقودنا لتناول محاذير: هل السودان شريك أصيل في هذه المعادلة أم هو مجرد “ساحة” لتقاطعات المصالح في الإقليم؟
الحقيقة هي أن حالة “السكون” الدبلوماسي في حالة كحالة السودان الحالية غير مجدية، وتجعل منه في حقيقة الأمر “ساحة” لتصفية الحسابات، ما لم تأتِ تحولات كالتي جاء بها اتفاق تشكيل مجلس التنسيق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية لتنقله إلى مربع خدمة المصالح الوطنية أولًا، واستقرار المنطقة والإقليم وحمايته من الإضرار بمصالح الدول الشقيقة والصديقة.
ووفقًا للسرد أعلاه، يمكننا القول بأن المملكة العربية السعودية ظلت وعلى الدوام تنظر لكل ما ذكرناه آنفًا من زاوية الحفاظ على “الدولة” السودانية أكثر من التعامل معه من زاوية “الحكومة”، وهذا ما يجعل مثل هذه الاتفاقيات والمجالس تقوم على “ثوابت” أكثر من حالة كونها تكتيكات.
وبالضرورة فإن قيام مثل هذا المجلس والأدوار التي تحدثنا عنها والمحددات التي تحكم أهدافه، إلا أن ذلك لا يستبعد المملكة العربية السعودية من مقعدها كشريك في عملية صناعة السلام في السودان، وعملية إيقاف الحرب وإعادة الإعمار، والمملكة تملك الرصيد السياسي والاقتصادي الذي يؤهلها لذلك.
السؤال أعلاه تكتسب إجاباته أهميتها القصوى من وجهة نظر المواطن العادي في السودان، الذي يريد أن يطمئن إلى أن مثل هذه الأخبار ستتحول إلى واقع ملموس في قضايا الاقتصاد والكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية ومشاريع التنمية ودعم الإنتاج، وهذا ما يجعل الاتفاق يكسب دعم الرأي العام وتشجيعه.
واحدة من أعظم مشكلات الأداء العام في الجهاز الرسمي في السودان هو الاندفاع لتوقيع الشراكات والاتفاقيات دون وجود قائمة بالأولويات المطلوبة، وعدم الجاهزية الواضحة للجانب السوداني في الترتيب، وهذا الشيء كان في كثير من الأحيان سببًا في ضياع الفرص أمام الدولة السودانية وتعطيل مشاريع الشراكة مع الدول الشقيقة، والنصيحة هنا ولتعظيم المكاسب من اتفاقية تشكيل المجلس الاستراتيجي هي كتابة خطة واضحة المعالم لأولويات الاستثمار في الجوانب الاقتصادية، سواء في الزراعة أو التعدين أو تشغيل الموانئ وإعادة الإعمار، وأن تعلم الحكومة السودانية بأن أخطر ما يهدد هذا الاتفاق هو الدخول إليه دون وجود خطة واضحة المعالم لتعظيم فائدة السودان من نشوء المجلس.
من المعلوم بالضرورة أن السودان يحتاج للقدرات الاقتصادية والسياسية للمملكة العربية السعودية لانتشاله من أوضاع خلفتها الحرب، وبالمقابل فإن المملكة تحتاج لسودان مستقر، وهذا يمثل نقطة الالتقاء الحقيقية بين البلدين عبر مجلس التنسيق الاستراتيجي.



