مفتاح المدى (حكاوي من زمن الحرب)

جامعة الخرطوم – كلية الطب – تستغيث… ماذا هناك يا وزير التعليم العالي؟

بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد حمد
قبل يومين، كنتُ أتحدّث مع أحد أبرز علمائنا من الأطباء؛ رجلٌ خبر المشرط كما خبر دهاليز التعليم، وتعلّم من المرضى ما لم يتعلّمه من الكتب. جلسنا نتحاور في قضايا تمسّ صميم العملية التعليمية في السودان بعد الأزمة، وكان الحوار بالأرقام التي لا تحتمل التأويل.
قال لي: اثنان وستون أستاذاً من علماء المهنة يعملون بالمشاهرة في كلية الطب، من جملة مئةٍ واثنين وستين أستاذاً، ومن أصل أربعمئةٍ وعشرين أستاذاً جامعياً بلغوا سنّ المعاش. ثم حدّثني عن مبادرةٍ نادرةٍ في زمنٍ شحيح: هؤلاء العلماء الذين حملوا الجامعة على أكتافهم عقوداً، تقدّموا إلى مدير جامعة الخرطوم بمبادرةٍ للعمل مجّاناً حفاظاً على استقرار العملية التعليمية في ظل الظروف القاسية… لكن الجامعة رفضت.
لم يكن الحديث عن أرقامٍ جامدة، بل عن قاماتٍ إنسانية تُشبه الأشجار القديمة في ساحات الجامعة؛ جذورها في الأرض، وظلالها على الأجيال، وثمارها في كل مستشفى وعيادة وقرية. وفي زمن الحرب، حين تتساقط المباني وتتهشّم الطرق وتُطفأ الأنوار، يبقى المورد البشري وحده واقفاً، كأنما خُلِق ليقاوم. هؤلاء الأساتذة الذين بلغوا سنّ المعاش ليسوا أرقاماً في سجلات الخدمة، بل ذاكرة وطنية تمشي على قدمين، تحمل خبرة السنين، وحنكة المواقف، ودفء العلاقة بين المعلم وتلميذه.
إنّ رفض مبادرة هؤلاء العلماء للعمل مجاناً ليس قراراً إدارياً فحسب، بل جرحٌ في صميم العلاقة بين الجامعة وأبنائها؛ فالجامعة التي لا تُحسن الاحتفاء بشيوخها، لن تُحسن صناعة مستقبلها.
وفي نهاية هذا الطريق المليء بالأسى، يبقى السؤال معلّقاً في فضاء الوطن: كيف نترك أعمدة المعرفة تتكئ على جدارٍ متصدّع، بينما في أيدينا القدرة على ترميمه؟ إنّ جامعة الخرطوم، بكل ما حملته من تاريخٍ ووجدانٍ ودموع نجاحاتٍ لا تُحصى، ليست مبنىً يشيخ، بل روحٌ تتجدّد كلما دخلها طالبٌ يحمل حلمه على كتفيه.
وحين يمدّ شيوخ المهنة أيديهم للعمل بلا مقابل، فهم لا يطلبون مالاً ولا منصباً، بل يطلبون شيئاً واحداً: أن يبقى هذا الوطن واقفاً… أن تبقى المعرفة حيّة… أن يبقى الطالب قادراً على أن يحلم، مهما ضاقت عليه الدنيا.
يا وزير التعليم العالي… إنّ حماية هؤلاء العلماء ليست حمايةً لأشخاص، بل حمايةٌ لضميرٍ مهنيٍّ ظلّ يقاتل عن السودان في صمتٍ طويل. وإنّ ردّ الجميل لهم ليس ترفاً، بل واجبٌ أخلاقيٌّ لا يسقط بالتقادم.
يا وزير التعليم العالي… إنّ خيار العودة ما زال طوعياً، فلا تجعلوا من قراراتكم سيفاً على رقاب المعلمين والطلاب وأولياء الأمور. لا تجعلوها ذات طابع القفز في المجهول أو مغامرة في زمن الحرب، كما عبّرنا في مقالٍ سابق. أوزنوا الأمور بعقلانيةٍ وحكمة، فالوطن لا يحتمل مزيداً من التجريب.
فليكن هذا النداء آخر ما يُقال قبل أن تُغلق أبواب النهار: احفظوا المورد البشري… فهو آخر ما تبقّى لنا في زمنٍ تتساقط فيه الأشياء من حولنا، ويبقى الإنسان وحده واقفاً كجذعٍ قديمٍ في ساحة الجامعة، يصدّ الريح عن الأجيال القادمة.
ونواصل… mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى