حين تُحاصر الكلمة.. بين حظر الإعلام في البيت الأبيض ورقابة الصحافة في السودان

الرقيب يعود من بوابة البيت الأبيض
من خرطوم التسعينيات إلى واشنطن 2026 حين تخشى السلطة السؤال ..!
بقلم / محمد فؤاد عيد
كان الوقت يقترب من الفجر انتهينا تقريباً من إعداد الصحيفة الأخبار في أماكنها العناوين اختيرت الصفحات راجعت طريقها الأخير نحو المطبعة والصحفي الذي أمضى نهاره وليله يطارد المعلومة كان ينتظر أن يرى ثمرة عمله ورقاً بين أيدي القراء بعد ساعات قليلة
ثم يأتي شخص من الأجهزة الأمنية
لا يحمل خبراً
ولا يحمل تحقيقاً
ولم يمض يومه في ملاحقة مصدر أو مراجعة معلومة
لكنه كان يمتلك ما هو أقوى من كل ذلك:
فهو يمتلك سلطة أن يقول إن هذه المادة تمر وتلك لا تمر
كنا نعرف ذلك جيداً في الصحافة السودانية في نهاية التسعينيات
كنا نعرف كيف يمكن أن تتغير الصفحة في اللحظات الأخيرة وكيف يمكن أن تتعطل الكلمة وكيف يتحول الصحفي شيئاً فشيئاً من باحث عن الحقيقة إلى إنسان يفكر قبل أن يكتب: هل سيقبلون بهذا؟ وهل ستمر هذه العبارة؟ وهل سيصل هذا العدد إلى القارئ أصلاً؟
هذه ليست حكاية سمعتها
إنها واحدة من صور زمن عملنا فيه داخل الصحافة السودانية
وقد وثقت منظمات حقوقية خلال سنوات حكم الإنقاذ القيود الواسعة على تداول المعلومات والصحافة ثم أصبحت الرقابة الأمنية المباشرة قبل الطباعة موثقة بصورة صريحة إلى جانب استدعاء الصحفيين ومضايقتهم واستخدام السلطات الواسعة لجهاز الأمن للتحكم في مضمون الصحف
مرت السنوات وغادرت تلك الغرف وظننت أن صورة الرجل الذي يقف بين الصحفي والمطبعة تخص زمناً ومكاناً بعينهما
لكنني كنت مخطئاً في شيء واحد وهو ان الرقيب لا يموت دائماً بل أحياناً يغير ملابسه فقط
لقد تابعتُ بدهشةٍ بالغة ما أقدمت عليه إدارة الرئيس ترامب من حظر وسائل إعلام محددة من دخول البيت الأبيض وتغطية أحداثه لم يكن الأمر مجرد قرارٍ إداري عابر بل صدمةٌ حقيقية حين يصدر مثل هذا الإجراء من دولةٍ ما فتئت تُقدّم نفسها للعالم كعاصمةٍ لحرية الصحافة ومحورٍ لانسياب المعلومات حيث ان هذه المرة لم يكن المشهد في الخرطوم بل كان في واشنطن وفي البيت الأبيض تحديداً
في 18 سبتمبر 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منع CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض متهماً المؤسسات الثلاث بنشر ما وصفه بـ«الأخبار الكاذبة»
وفي اليوم التالي لم يبق الأمر مجرد تهديد سياسي
وصل الصحفيون إلى البيت الأبيض لكن بعضهم لم يدخل
أفادت المؤسسات بأن بطاقات اعتماد صحفييها أُلغيت أو مُنعوا من الوصول بينما أعلنت أنها ستواصل تغطية الإدارة الأمريكية وستواجه القرار
وهنا توقفت طويلاً ليس لأن أمريكا أصبحت السودان وليس لأن البيت الأبيض تحول فجأة إلى جهاز أمن سوداني من تسعينيات القرن الماضي
هذه مقارنة غير دقيقة ولا يحتاج الدفاع عن حرية الصحافة إلى المبالغة فالولايات المتحدة لديها دستور ومحاكم ومؤسسات إعلامية ضخمة تستطيع أن تقاضي الحكومة وتنتقد الرئيس وتطعن في قراراته وتكتب عنه ما لا يرغب في قراءته
لكن ما أزعجني هو شيء آخر
الفكرة !!
فكرة أن تغضب السلطة من مؤسسة إعلامية ثم يصبح هذا الغضب سبباً لإغلاق الباب أمام صحفييها
وهنا عادت إليّ الخرطوم
في الخرطوم كان الرقيب يدخل علينا وفي واشنطن بقي واقفاً عند الباب
قد تبدو المسافتان بعيدتين ولكن تأمل الفارق في الوسيلة
هناك يأتي الرقيب إلى الصحيفة قبل الطباعة ويقول:
هذا لا ينشر
وهنا فى واشنطن قد يقال للصحفي: اكتب ما تريد
لكنك لن تدخل
لن تكون في المكان الذي يصدر منه القرار
وكذلك لن تقف أمام المسؤول بل لن تتمكن من رفع يدك وطرح السؤال ولن تكون شاهداً مباشراً على الحدث
فهل يختلف التحكم في طريق المعلومة جذرياً عن التحكم في المعلومة نفسها؟
هذا هو السؤال
ولا أزعم أن الإجابة بسيطة
أوجه التشابه الجوهر واحد وإن اختلفت الأسماء :
فى تقديرى هو تقييد الوصول إلى المعلومة ففي الحالتين تُمنع الجهات الإعلامية من الحصول على الخبر من مصدره الرسمي المباشر وتُفرض شروطٌ على من يُسمح له بالتغطية
كذلك توجيه الرسالة الهدف الظاهر أو الخفي هو تقديم صورةٍ وحيدةٍ للحدث تُصاغ بما يخدم جهة السلطة وتُستبعد منها الأصوات المختلفة أو الناقدة
ولا ننسى التأثير على المصداقية حين تُختار وسائل الإعلام بناءً على الولاء لا المهنية تفقد الأخبار ثقة المتلقي وتتحول الصحافة من سلطةٍ رابعةٍ إلى صوتٍ مُكرّس لوجهة نظر واحدة
اضف الى ذلك قتل الكلمة الصادقة كما كان الرقيب السوداني يُعيق عمل الصحفي ويحذف ما لا يرضيه فإن استبعاد منصاتٍ إخبارية بأكملها يرسل رسالةً مفادها: «من لا يتفق معنا لا مكان له هنا» أخطر رقابة ليست التي تحذف المقال
ومن تجربتي القديمة تعلمت شيئاً لم أنسه الرقيب الحقيقي لا ينتصر عندما يحذف مقالاً إنه ينتصر عندما لا يعود محتاجاً إلى الحضور عندما يدخل الخوف إلى رأس الصحفي عندما يبدأ الصحفي بحذف عباراته بنفسه وعندما يختار المحرر العنوان الأقل إزعاجاً
وعندما يسأل رئيس التحرير قبل أن يسأل عن صحة الخبر:
ماذا ستكون ردة فعل السلطة؟
عندها يتحول الرقيب من شخص يقف أمامك إلى صوت يعيش داخلك وهذا هو الانتصار الأخطر للرقابة
وقد وثقت منظمات حقوقية لاحقاً كيف استخدمت الأجهزة الأمنية السودانية الرقابة المباشرة قبل الطباعة والزيارات إلى الصحف والاتصالات بالمحررين وهي ممارسات وصفها صحفيون سودانيون أحياناً بأنها رقابة بـ«الريموت كنترول»
لكن هناك سؤالاً أصعب :
ماذا يحدث عندما تكون الدولة التي تتخذ مثل هذه الخطوة هي الولايات المتحدة؟
الدولة التي جعلت من التعديل الأول لدستورها واحداً من أشهر النصوص في الدفاع عن حرية التعبير والصحافة
والدولة التي ظلت تقدم حرية الإعلام باعتبارها إحدى ركائز نظامها الديمقراطي
هنا تصبح الواقعة أكبر من خلاف بين ترامب وCNN
وأكبر من Politico
وأكبر من MS NOW
السؤال الحقيقي يصبح:
هل حرية الصحافة مبدأ ثابت أم امتياز تمنحه السلطة للمؤسسة التي ترضى عنها؟
إذا كانت المؤسسة تؤيد الرئيس تدخل
وإذا انتقدته تُغلق أمامها الأبواب
فماذا تبقى من فكرة الصحافة المستقلة؟
حيث انة غير أن الخطر الأعمق يبقى في ذلك الانزلاق الذي يرسّخ قناعةً مفادها إذا كانت «دولة الحريات» تفعل هذا فما الذي يمنع غيرها من أن يُقنع نفسه ويقول: «نحن نحذو حذوهم»؟ إن المعايير المزدوجة لا تُدمّر الثقة فحسب بل تُعطي كل من يريد تكميم الأفواه ذريعةً جاهزة فإن محاولة السيطرة على الكلمة ومهما اختلفت الأزمنة والأمكنة لا تُنتج في النهاية سوى واقعٍ مشوه فالصحافة ليست تابعًا للسلطة ولا أداةً لتلميعها؛ هي عين الشعب التي لا ينبغي أن تُغمض والفرق الحقيقي بين دولةٍ تحترم الحريات ودولةٍ تقمعها لا يظهر في الخطب بل في قدرتها على تقبّل ما لا يُعجبها من كلماتٍ صادقة فإذا كانت الكلمة تُحاصر في واشنطن فأين المفرّ؟
*الصحفي ليس ضيفاً في حفل الرئيس :*
هذه واحدة من المشكلات التي أعتقد أن السياسيين في بلدان كثيرة لا يريدون استيعابها
حيث ان الصحفي الموجود في مقر الحكم ليس ضيفاً شخصياً للرئيس وليس مطلوباً منه أن يقول للرئيس صباح الخير ثم يشكره على المعلومات ويغادر وجوده له وظيفة أخرى يسأل يشكك يراجع يطالب بالدليل ويطرح أحياناً السؤال الذي يتمنى المسؤول لو أنه لم يُطرح هذه هي الصحافة
أما إذا أصبح معيار الدخول هو رضا الحاكم عن الصحفي أو مؤسسته فنحن لا نتحدث عندها عن إعلام يؤدي وظيفته الرقابية كما ينبغي بل من المؤكد نقترب شيئاً فشيئاً من صناعة دائرة إعلامية مريحة للسلطة
والسلطة أي سلطة بطبيعتها تحب الأسئلة المريحة
لكن الشعوب تحتاج الأسئلة المزعجة
*من قال إن الرقابة تحتاج إلى مقص :*
حين كنا نعمل في السودان كانت صورة الرقابة واضحة مادة تحذف عدد يصادر صحيفة توقف صحفي يستدعى وكان من السهل أن نعرف أين يقف الرقيب
أما الرقابة الحديثة فقد تكون أكثر تعقيداً فأنت لا تحتاج دائماً إلى منع المقال قد يكفي أن تمنع الوصول إلى المعلومة
وقد لا تحتاج إلى إغلاق الصحيفة قد يكفي أن تحرم مراسلها من المكان الذي يصنع فيه الخبر
وقد لا تقول للصحفي:
لا تسأل
يكفي أن تمنعه من دخول الغرفة التي يستطيع أن يسأل فيها
وهنا تكمن المفارقة
الرقيب القديم كان يقف بين الصحفي والمطبعة أما الرقيب الجديد فقد يقف بين الصحفي وباب المعلومة
والنتيجة تستحق النقاش في الحالتين ولكن الإنصاف واجب و لا أريد أن أقع في الخطأ الذي أنتقده
لا يجوز أن نختزل التجربة الأمريكية كلها في قرار واحد كما لا يجوز أن نقول إن الولايات المتحدة أصبحت دولة بلا حرية صحافة
*الواقع أكثر تعقيداً:*
المؤسسات التي منعها ترامب ما زالت قادرة على نشر انتقاداتها وما زالت تستطيع اللجوء إلى القضاء
وما زالت الصحف والقنوات الأمريكية تنشر يومياً مواد تنتقد الرئيس وسياساته بشدة بل إن محاكم اتحادية تدخلت في نزاعات سابقة تتعلق بحرمان وسائل إعلام أو صحفيين من الوصول إلى البيت الأبيض وهو ما يوضح وجود مؤسسات تستطيع مراجعة قرارات السلطة التنفيذية وهذه نقطة فارقة لا ينبغي تجاهلها عند مقارنة واشنطن بخرطوم تلك السنوات
لكن الديمقراطية لا تختبر فقط عندما تعمل المؤسسات بصورة طبيعية تختبر عندما يغضب الحاكم
*الحرية التي تحتاج إلى رضا الرئيس ليست حرية كاملة :*
هذه هي القضية في نظري الرئيس ليس مطالباً بأن يحب CNN وليس مطلوباً منه أن يقتنع بما تنشره Politico ولا أن يستمتع بما تبثه MS NOW
ومن حقه أن ينتقدها وأن يصف تقاريرها بأنها خاطئة إذا كان يرى ذلك وأن يرد عليها ويقدم أدلته
ولكن هناك مسافة كبيرة بين أن يقول السياسي:
«هذه المؤسسة أخطأت» وبين أن يقول: «أخرجوها من الباب»
في المسافة بين العبارتين توجد واحدة من أهم قضايا الديمقراطية الحديثة
*الصحافة ليست جوقة تصفيق :*
وهذة حقيقة وربما هذه هي المشكلة القديمة الجديدة
كثير من الحكام شرقاً وغرباً يريدون الصحافة لكن بشروطهم يريدون الكاميرات ويريدون الميكروفونات ويريدون صفحات الجرائد عندما تنقل إنجازاتهم
لكنهم لا يريدون السؤال الذي يأتي بعد ذلك
ماذا عن الفشل؟ .. ماذا عن الخطأ؟ .. ماذا عن التناقض؟
ماذا عن القرار الذي اتخذ خلف الأبواب؟
وماذا عن الحقيقة الأخرى التي لا تظهر في البيان الرسمي؟
لكن إذا تحولت الصحافة إلى مجرد ناقل لما تريد السلطة قوله فلماذا نحتاج إليها أصلاً؟
حيث يمكن للحكومة أن تنشئ إدارة للعلاقات العامة وتنتهي المسألة
*تذكرت الرجل الذي كان يأتي قبل الفجر :*
لا أعرف لماذا عاد ذلك المشهد إلى ذاكرتي بهذه القوة ربما لأنني عشته صحيفة تستعد للطباعة صحفيون أنهكهم العمل ثم يأتي رجل يستطيع بقرار واحد أن يغير ما سيقرأه الناس في الصباح
واليوم أشاهد من بعيد صحفياً يحمل بطاقة اعتماد ويتجه نحو بيت أبيض يفترض أنه واحد من أكثر المباني السياسية خضوعاً لرقابة الإعلام في العالم ثم يقال له:
لا تدخل ! المكانان مختلفان ! والزمان مختلف !
والنظامان مختلفان !
ودرجة القمع مختلفة ! وكذلك الضمانات القانونية مختلفة إلى حد بعيد
لكن السؤال الذي ظل يرن في رأسي كان واحداً:
من يملك الباب؟ ومن يملك ذلك الباب يملك جزءاً من الرواية
في الصحافة نتحدث كثيراً عن حرية النشر لكننا نتحدث أقل عن حرية الوصول وهما مرتبطتان
لأنك إذا لم تصل إلى المعلومة وإذا لم تتمكن من مشاهدة الحدث وإذا لم تستطع مواجهة المسؤول بالسؤال فإن قدرتك على إنتاج رواية مستقلة تصبح أصعب
وهذا لا يعني أن الصحفي الموجود خارج البيت الأبيض عاجز عن التغطية
بالطبع لا
لكن الوصول المباشر إلى مؤسسات السلطة جزء من منظومة المساءلة ولهذا فإن مسألة الاعتماد الصحفي ليست مجرد شأن إداري صغير إنها تمس العلاقة بين السلطة ومن يراقبها
*أمريكا أمام اختبارها لا أمام نهايتها :*
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر إنصافاً ما يحدث لا يعني نهاية حرية الصحافة في أمريكا لكنه يضع واحدة من أهم الديمقراطيات في العالم أمام اختبار واضح وهو هل تستطيع مؤسساتها حماية حق الصحفي في الوصول والسؤال حتى عندما يكره الرئيس المؤسسة التي يعمل لديها؟
وهل تستطيع التفريق بين حق الرئيس في انتقاد وسائل الإعلام وبين سلطة الدولة في معاقبتها بسبب تغطيتها؟
الإجابة لن يحددها ترامب وحده بل ستحددها المحاكم والمؤسسات الإعلامية والصحفيون والرأي العام والقواعد الدستورية التي قامت عليها الدولة
أما أنا فأعرف كيف تبدأ الحكاية
لقد رأيت من قبل كيف تضيق المسافة بين السلطة والصحافة ونادراً ما تبدأ الحكاية بإغلاق كل الصحف في يوم واحد
لكنها تبدأ عادة بخطوات صغيرة هذه المادة حساسة وذلك الكاتب مزعج وهذا السؤال غير مناسب وهذه الصحيفة تجاوزت الحدود ذلك الصحفي لا ينبغي أن يدخل
ثم يبدأ الناس في الاعتياد وهنا يكمن الخطر
لأن أخطر ما يحدث لحرية الصحافة ليس فقط أن تُقمع
بل أن يصبح قمع جزء منها أمراً عادياً لا يثير الدهشة
*من الخرطوم إلى البيت الأبيض :*
قبل نحو ثلاثة عقود كنت صحفياً في الخرطوم أنتظر مع زملائي أن تمر الصحيفة من عيون الرقيب قبل أن تصل إلى المطبعة حيث كان النظام قد ابتدع ما عُرف بـ «الصحافة القبلية» لم يكن أحدنا يُكتب وينشر بحرية؛ بل كان يأتي رقيبٌ من الأجهزة الأمنية في الساعات الأولى من الفجر قبل أن تخرج الصحيفة إلى الناس يُفتّش كل كلمة ويحذف ما لا يرضيه ويُشوّه المعنى تلو المعنى وعلى مدار تلك السنوات لم تُسمح لنا الكلمة الصادقة أن ترى النور .
وما اتذكره من السودان في نهاية التسعينيات فله أساس تاريخي موثق فهنالك تقارير تلك الفترة تسجل رقابة حكومية شديدة على الصحافة وتعليق صحف ومصادرة أعداد منها ومراقبة الصحفيين الأمر الذي أدى إلى انتشار الرقابة الذاتية وفي عام 1999 مثلاً تعرضت صحف مثل الرأي الآخر والرأي العام للإيقاف مراراً بسبب مواد ناقدة للسلطة.
واليوم من بعيد أراقب صحفيين في واشنطن يقفون أمام باب السلطة ويجادلون حول حقهم في الدخول ولا أقول إن المشهدين متطابقان ولا أريد لهما أن يكونا كذلك لكنني تعلمت من مهنتي أن الحرية لا تضيع دائماً بصوت مرتفع أحياناً تبدأ بخطوة هادئة للغاية بمقال لا ينشر بسؤال لا يطرح بصحفي لا يسمح له بالدخول وبباب يغلق ولهذا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يقلق الصحفيين سواء كانوا في الخرطوم أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى ليس فقط:
من يمنعنا من الكتابة؟
بل أيضاً:
من أصبح يقرر من يحق له أن يصل إلى الحقيقة ويسأل باسم الناس؟
لأن الرقيب لا يحمل دائماً قلماً أحمر أحياناً يحمل مفتاح الباب
والحقيقة لا تُزدهر إلا في جوٍ من الحرية ولا تكتمل الصورة إلا بجميع ألوانها ما حدث في واشنطن وما شهدته الخرطوم من قبله يؤكد أن محاولة السيطرة على الكلمة الصادقة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة لا تُنتج في النهاية سوى واقعٍ مشوهٍ وثقةٍ مهشمةٍ بين الشعب وسلطته والفرق بين دولةٍ تحترم الحريات ودولةٍ تقمعها لا يظهر في الخطابات فقط بل في مدى تقبلها لما لا يُعجبها من كلماتٍ صادقةٍ.




