قرار الفيدرالي الأمريكي وانعكاساته على الدولار والذهب والأسعار في السودان

د. ماجدة مصطفى صادق
أستاذ مشارك في الاقتصاد التطبيقي
عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية
جامعة السودان العالمية
أثار قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00% اهتمامًا واسعًا في الأسواق العالمية، خاصة أن أسعار الفائدة الأمريكية تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في حركة الدولار والأسواق المالية العالمية. ورغم أن القرار كان متوقعًا بدرجة كبيرة، فإن أهميته بالنسبة للاقتصادات النامية لا تكمن فقط في الزيادة الحالية، وإنما في الإشارة التي يبعث بها بشأن اتجاه السياسة النقدية الأمريكية وتوقعات المستثمرين خلال الفترة المقبلة.
من الناحية الاقتصادية، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية عادةً إلى زيادة جاذبية الأصول المقومة بالدولار، الأمر الذي قد يدعم قيمة الدولار عالميًا مقارنة ببعض العملات الأخرى. كما يمكن أن يؤدي ارتفاع العائد على الأصول الأمريكية إلى زيادة حركة الأموال نحو الأسواق الأمريكية، خصوصًا عندما تكون المخاطر في الاقتصادات الأخرى مرتفعة. إلا أن هذا التأثير العالمي لا ينتقل بصورة آلية وبالنسبة نفسها إلى كل دولة، إذ تعتمد درجة التأثر على طبيعة الاقتصاد المحلي، وحجم احتياطيات النقد الأجنبي، ومستوى التجارة الخارجية، والاستقرار المالي والنقدي.
وفي الحالة السودانية، ينبغي عدم النظر إلى ارتفاع الدولار في السوق الموازي باعتباره نتيجة مباشرة لقرار الفيدرالي الأمريكي. فالسوق السوداني يعاني منذ فترة من اختلالات داخلية عميقة تتمثل في ضعف الإنتاج، وتراجع الصادرات، ونقص العملات الأجنبية، وارتفاع الطلب على الدولار، والتضخم، واضطراب النشاط المصرفي، وتأثيرات الحرب على القطاعات الإنتاجية والتجارية. ولذلك فإن أي قوة إضافية للدولار عالميًا يمكن أن تزيد الضغوط القائمة أصلًا، لكنها لا تمثل السبب الأساسي لأزمة سعر الصرف السوداني.
وقد شهد سعر الدولار في السوق الموازي السوداني خلال الفترة الأخيرة مستويات مرتفعة جدًا، مع استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي. وعندما يكون المعروض من العملات الأجنبية محدودًا بينما يستمر الطلب عليها من المستوردين والأفراد والشركات، يصبح الدولار سلعة نادرة، ويرتفع سعره وفقًا لقوى العرض والطلب. ومن ثم فإن استمرار ضعف الجنيه خلال الأيام والأسابيع القادمة سيعتمد بصورة أكبر على قدرة الاقتصاد السوداني على توفير النقد الأجنبي، وليس على قرار الفيدرالي الأمريكي وحده.
أما الذهب، فإن العلاقة أكثر تعقيدًا. فعلى المستوى العالمي، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، لأن الذهب لا يدر عائدًا دوريًا مثل بعض الأصول المالية. لكن في السودان توجد آلية إضافية شديدة الأهمية، وهي سعر صرف الجنيه مقابل الدولار. فإذا ارتفع الدولار في السوق المحلي، فقد يرتفع سعر الذهب بالجنيه السوداني حتى لو لم يرتفع سعر الذهب عالميًا، لأن السعر المحلي يتأثر بالسعر العالمي للذهب وبسعر الصرف في الوقت نفسه.
ولهذا السبب فإن ارتفاع الذهب في السودان لا ينبغي تفسيره فقط بارتفاع أو انخفاض الذهب في الأسواق العالمية. فقد يصبح الذهب بالنسبة للمواطن السوداني وسيلة للتحوط من انخفاض قيمة العملة وارتفاع التضخم، الأمر الذي يزيد الطلب عليه عندما تتراجع الثقة في الجنيه. وبالتالي يمكن أن يستمر الذهب في الارتفاع محليًا حتى في حالة وجود ضغوط عالمية على سعره.
أما أسعار السلع والخدمات، فمن المتوقع أن يكون تأثير ضعف الجنيه أكثر وضوحًا عليها. فارتفاع الدولار يؤدي إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، كما يرفع تكلفة المدخلات المستخدمة في الإنتاج المحلي، بما في ذلك الوقود وقطع الغيار والآلات والمواد الخام والأدوية وغيرها. وتنتقل هذه الزيادة تدريجيًا من المستورد إلى تاجر الجملة ثم إلى تاجر التجزئة، وفي النهاية يتحمل المستهلك الجزء الأكبر من التكلفة.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما ترتفع تكاليف النقل والطاقة إلى جانب ارتفاع سعر الصرف. فالمنتج المحلي نفسه قد يرتفع سعره حتى لو لم يكن مستوردًا بصورة مباشرة، لأن تكلفة إنتاجه ونقله وتسويقه أصبحت مرتبطة بصورة أو بأخرى بالدولار. ولذلك فإن استمرار ضعف الجنيه يمكن أن يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خاصة في السلع التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي بالنسبة للسودان ليس فقط: هل سيرتفع الدولار بعد قرار الفيدرالي الأمريكي؟ وإنما: هل يستطيع الاقتصاد السوداني زيادة المعروض من العملات الأجنبية؟ وهل يستطيع زيادة الإنتاج والصادرات؟ وهل يمكن استعادة الثقة في النظام المصرفي والجنيه السوداني؟ وهل تستطيع السياسات الاقتصادية الحد من المضاربة والتهريب وتحويل الموارد نحو النشاط الإنتاجي؟
إن معالجة أزمة العملة لا يمكن أن تعتمد بصورة أساسية على الإجراءات الإدارية أو محاولة تثبيت سعر الصرف دون معالجة جذور المشكلة. فالعملة القوية هي في النهاية انعكاس لاقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وتوفير النقد الأجنبي. وكلما زاد الإنتاج المحلي والصادرات وتحسنت بيئة الاستثمار، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
كما أن معالجة الأزمة تتطلب إدارة رشيدة للموارد العامة، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية، بدلًا من زيادة الإنفاق غير المرتبط بزيادة الإنتاج. فالإنفاق الحكومي عندما لا يقابله إنتاج حقيقي يمكن أن يزيد الضغوط التضخمية ويضعف قيمة العملة، بينما يؤدي الإنفاق الموجه إلى الإنتاج والبنية التحتية والتعليم والصحة والطاقة إلى بناء قدرة اقتصادية أكثر استدامة.
إن ما يحدث اليوم يمكن وصفه بأنه أزمة اقتصادية تتداخل فيها العوامل المحلية مع التطورات العالمية. فقرار الفيدرالي الأمريكي يمثل عاملًا خارجيًا، لكنه لا يفسر وحده انهيار قيمة الجنيه السوداني أو ارتفاع أسعار السلع والذهب. العامل الأساسي يتمثل في الاختلال الداخلي بين الموارد المتاحة والطلب، وبين الإنتاج والاستهلاك، وبين الصادرات والواردات، وبين الإيرادات والإنفاق.
ولذلك فإن مواجهة الأزمة تحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز ردود الفعل اليومية تجاه سعر الدولار. السودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وبشرية كبيرة، ولكن تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية يتطلب الاستقرار، والإنتاج، والإدارة الرشيدة، والبنية التحتية، والسياسات الاقتصادية الواضحة، ومؤسسات مالية ومصرفية قادرة على أداء وظائفها.
إن المواطن السوداني هو الذي يدفع في النهاية تكلفة ارتفاع الدولار من خلال ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والنقل والتعليم والخدمات. ولذلك فإن القضية لم تعد قضية سعر صرف فقط، وإنما أصبحت قضية معيشة واستقرار اجتماعي ومستقبل اقتصادي. وأي سياسة اقتصادية ناجحة ينبغي أن يكون المواطن والإنتاج وحماية القوة الشرائية للجنيه في قلبها.
وبالتالي، فإن التطورات العالمية، ومنها قرار رفع الفائدة الأمريكية، يجب أن تكون حافزًا للسودان لإعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية، وليس ذريعة لتعليق الأزمة على الخارج. فالدول تتأثر بالاقتصاد العالمي، لكنها تستطيع زيادة قدرتها على مقاومة الصدمات من خلال بناء اقتصاد منتج ومتنوع وقادر على التصدير.



