أبوذر عوض الكريم أحمد يكتب : المتغطي بأمريكا.. عريان

هوامش السيادة


■ البيان الأمريكي والتصريحات المصاحبة بشأن السودان تكشف وجهاً آخر من وجوه الوصاية السياسية؛ عقلية لا تزال تتعامل مع السودان كأنه ملف مفتوح على مكاتب الآخرين، وكأن قرار الخرطوم يحتاج إلى ختم من واشنطن حتى يصبح قراراً.

■ السودان ليس ملفاً في درج وزارة الخارجية الأمريكية، ولا ورقة في حقيبة مستشار، ولا ساحة مستباحة لمن يريد أن يجرب عليها نفوذه السياسي.

■ هذا وطن له مؤسسات، وله جيش، وله شعب يعرف جيداً الفرق بين الدولة والمليشيا، ولا يحتاج إلى دروس خارجية في تعريف من يدافع عن الدولة ومن حمل السلاح عليها.

■ الجيش السوداني مؤسسة وطنية عريقة، أما مليشيا الدعم السريع فهي قوة متمردة حملت السلاح في وجه الدولة، ودفع المواطن السوداني ثمن تمردها قتلاً ونزوحاً وتشريداً وخراباً. وهذه حقائق عاشها الناس، ولا تستطيع البيانات السياسية أن تعيد صياغتها على مقاس المصالح الدولية.

■ ثم تأتي حكاية التأشيرة، لتكشف أن المسألة ليست مجرد ورقة سفر كما يحاول البعض تصويرها.

■ النقطة الأهم التي يجب أن يعرفها الجميع: رمز سيادتنا المهيب، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، هو من رفض التأشيرة المشروطة.

■ لم يقبل أن يكون حضور رئيس مجلس السيادة السوداني رهناً بشرط سياسي، ولم يقبل أن تتحول تأشيرة الدخول إلى أداة ضغط على القرار الوطني.

■ وهذه ليست حركة بروتوكولية صغيرة حتى تُدفن بين تفاصيل السفر والمطارات. إنها كلمة دولة.

■ فهل المطلوب أن يدخل رئيس مجلس السيادة إلى الأمم المتحدة بعد أن يترك قراره الوطني عند بوابة المطار؟

■ هل المطلوب أن يصبح حضور السودان في المحافل الدولية مشروطاً برضا واشنطن عن موقفه؟

■ إذا كان الأمر كذلك، فليسمّ الأشياء بأسمائها: هذه ليست دبلوماسية، وإنما محاولة لوضع السيادة تحت الاختبار.

■ والاختبار جاء جوابه واضحاً.

■ المهيب البرهان رفض.

■ لم يقل السودان إن تأشيرة أمريكا هي التي تمنحه شرعيته، ولم يقل إن رضا واشنطن هو الذي يحدد موقعه. فالشرعية الوطنية لا تُختم في سفارة، وهيبة الدولة لا تُقاس بتذكرة سفر.

■ أمريكا تستطيع أن تمنح التأشيرة أو تحجبها، لكنها لا تستطيع أن تمنح السودان سيادته أو تسحبها منه.

■ تستطيع أن تضغط سياسياً، لكنها لا تستطيع أن تكتب القرار السوداني نيابة عن السودانيين.

■ ولا العلج مسعد بولس، ولا دويلة الإمارات، ولا أمريكا، ولا غيرها تملك مفاتيح الشعب السوداني.

■ من ظن أن المال السياسي يستطيع شراء السودان، فقد أخطأ. ومن ظن أن النفوذ يستطيع استئجار قراره، فقد أخطأ مرتين.

■ السودان أكبر من لعبة المصالح الصغيرة، وأكبر من حسابات الرجال الذين يتنقلون بين العواصم حاملين خرائط جاهزة لوطن لم يستأذنهم في رسم مستقبله.

■ ومن المؤسف أن بعض الذين يرفعون شعار السيادة في بياناتهم، يصبحون أول من يبحث عن ظل العاصمة الأجنبية كلما اشتدت حرارة السياسة.

■ أما نحن، فنعرف قاعدة واحدة: لغير الله لن نركع.

■ لا لواشنطن، ولا لأبوظبي، ولا لأي عاصمة تريد أن تجعل من السودان تابعاً أو رهينة أو ورقة في دفتر مصالحها.

■ لا نرفض الحوار، ولا نرفض العلاقات الدولية، ولا نرفض أن يتحدث العالم مع السودان. لكن الحديث شيء، والوصاية شيء آخر؛ والتعاون شيء، وفرض الإرادة شيء آخر.

■ ومن يريد أن يساعد السودان، فليحترم قراره. ومن يريد السلام فيه، فليحترم إرادته. ومن يريد أن يتعامل مع مؤسساته، فليتعامل معها باعتبارها مؤسسات دولة، لا أدوات يمكن تحريكها من الخارج.

■ أما الذين يراهنون على أن الضغوط ستكسر إرادة السودان، فعليهم أن يعرفوا أن الشعوب لا تُدار إلى الأبد من غرف الفنادق ومكاتب السفارات.

■ قد يستطيع الخارج أن يفتح باباً ويغلق آخر، وأن يمنح تأشيرة ويمنع أخرى، لكنه لا يستطيع أن يمنح وطناً كرامته ولا أن يسلب شعباً إرادته.

■ التأشيرة ورقة، أما السيادة فمبدأ.

■ الورقة تُحجب، والمبدأ يبقى.

■ ولهذا فإن موقف المهيب البرهان في هذه القضية يتجاوز شخصه؛ لأنه وضع فاصلاً واضحاً بين ما يمكن أن يكون إجراءً دبلوماسياً وما يمكن أن يتحول إلى قيد على قرار دولة.

■ السودان لا يحتاج إلى أن يكون محبوباً في واشنطن، ولا إلى أن يكون مرضياً عنه في أبوظبي. السودان يحتاج إلى أن يكون صاحب قراره.

■ ومن هنا تأتي الرسالة إلى كل من يتعامل مع السودان بمنطق الوصاية: غيّروا طريقة التفكير.

■ السودان ليس أرضاً بلا ذاكرة، ولا شعباً بلا كرامة، ولا دولة بلا مؤسسات.

■ ومن أراد أن يعرف السودان، فليقرأ تاريخه قبل أن يقرأ تقارير مستشاريه.

■ ومن أراد أن يفاوض السودان، فليأتِ إليه باحترام، لا بعقلية السيد والتابع.

لهوامش السيادة كلمة:

المتغطي بأمريكا.. عريان.

ومن جعل واشنطن عصاه التي يتوكأ عليها، فليعلم أن العصا قد تنكسر، وأن العواصم تتغير، وأن المصالح لا تعرف الوفاء.

أما السودان فلا يتكئ على أمريكا، ولا يستمد كرامته من دويلة الإمارات، ولا يستمد شرعيته من أي عاصمة خارج حدوده.

ورمز سيادتنا المهيب الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان رفض التأشيرة المشروطة، وقال بالفعل ما ينبغي أن يفهمه الجميع: القرار السوداني ليس للبيع.

فليضغط من يشاء، وليهدد من يشاء، وليغلق من يشاء أبوابه.

لن نركع إلا لله.

فالسيادة لا تُمنح بتأشيرة، والكرامة لا تُسحب بختم، والوطن لا يُدار من خلف البحار.

ومن ظن أن السودان يمكن أن يُشترى، فليعلم أن هذا الوطن عصيٌّ على البيع، وأن شعبه عصيٌّ على الانحناء.

المتغطي بأمريكا.. عريان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى