دكتور حسن علي عيسى يكتب: خواطر في مدينة الرشيد ومنارة المجد التليد

جرى نهر دجلة، وكأنه يطرب لاستقبال وفود منظمة التعاون الإسلامي التي توافدت إلى بغداد للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء الخارجية. وفي غمرة ذلك المشهد، استحضرت أبيات الشاعر علي الجارم الخالدة، التي تتغنى ببغداد ومجدها الأدبي:

بغدادُ يا دارَ النُّهى والفنِّ، يا بيتَ القصيدِ

نبتَ القريضُ على ضفافِكِ بين أفنانِ الورودِ

سرقَ التدلُّلَ من «عَنانٍ»، والتفنُّنَ من «وحيدِ»

يشدو كأنَّ لَهاتَهُ شُدَّتْ على أوتارِ عودِ

وما إن تطأ قدماك بغداد حتى تشعر بأنك لا تدخل مدينة كسائر المدن، بل تعبر بوابة التاريخ، وتطل على حضارة عربية إسلامية ضاربة الجذور في أعماق الزمان. فبغداد ليست مجرد مكان على خارطة الجغرافيا، بل حكاية أمة، وذاكرة حضارة، وديوان شعر، وسفر مجد تليد.

لقد أتاحت لي مشاركتي ضمن فريق الترجمة الفورية لاجتماعات الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي فرصة اكتشاف بغداد عن قرب؛ لا باعتبارها عاصمة تستضيف حدثاً دبلوماسياً مهماً فحسب، بل بوصفها كنزاً من كنوز العروبة والإسلام، تتجلى فيه أصالة التاريخ ونبل الإنسان وجمال الموروث الحضاري.

كنت أظن أنني أعرف بغداد من خلال كتب التاريخ، وروائع الشعر والأدب، وأخبار خلفائها وعلمائها. غير أنني اكتشفت أن للمعرفة وجهاً آخر لا تبوح به الكتب وحدها؛ وجهاً لا يُدرك إلا بالمعايشة، حين تتحول الحكايات إلى مشاهد حية، والكلمات إلى مشاعر تنبض في القلب.

في بغداد، رأيت التاريخ حاضراً في معالم المدينة، والأدب نابضاً في ذاكرتها، والكرم العربي الأصيل متجسداً في سلوك أهلها. لم يكن الترحيب تكلفاً تفرضه المناسبة، بل مودة صادقة وبشاشة تلقائية تشعرك بأنك بين أهلك، وأن المسافة بين الضيف والمضيف قد تلاشت قبل أن تبدأ.

وليس ذلك بغريب على مدينة المنصور والرشيد، وحاضرة بيت الحكمة، وموئل العلماء والمترجمين والفلاسفة والأدباء. ففي بغداد ازدهرت حركة الترجمة، وتفاعلت الثقافات، وتلاقت المعارف، وأصبحت الكلمة جسراً بين الحضارات. وما أجمل أن أجد نفسي، وأنا الذي أمتهن الترجمة الفورية وأتنقل بين اللغات والثقافات، في مدينة أدركت منذ قرون أن اختلاف الألسنة ليس حاجزاً بين البشر، بل سبيل إلى التواصل وتبادل المعرفة.

وقد تجلت هذه الدلالة في مشهد أعضاء الوفود أمام تمثال المتنبي، وكأن الشاعر الخالد يستعد لإلقاء قصيدة ترحيب بضيوف بغداد، فيما يستعيد شارع الرشيد وشارع المتنبي ألقهما في ذاكرة مدينة لم تفقد صلتها بالأدب والشعر.

ولعل ذلك ما جعل أبيات علي الجارم تتردد في ذاكرتي طوال الزيارة. فقد أدركت أن الشعر الصادق لا يصف المكان فحسب، بل يكشف عن روحه؛ وأن بغداد التي خلدها الشعراء ليست صورة من الماضي، بل مدينة حية تستمد عظمتها من تاريخها، ومن أهلها الذين يصونون إرثها بكرمهم وأصالتهم واعتزازهم بهويتهم.

إن العروبة ليست مجرد لغة مشتركة، ولا الإسلام مجرد رابطة عقائدية؛ فكلاهما يتجلى كذلك في قيم إنسانية أصيلة، من إكرام الضيف واحترام الآخر إلى صون الكرامة وإشاعة المودة. وتلك هي الأصالة حين تتحول من شعار إلى سلوك، وذلك هو التراث حين يغادر صفحات الكتب ليسكن القلوب وينعكس في الوجوه والتصرفات.

لقد جئت بغداد لأداء واجب مهني في اجتماعات دولية، فإذا بي أعود منها بثروة إنسانية وثقافية، وذكريات تتجاوز حدود المهمة التي جئت من أجلها. غادرتها مكانياً، لكنني بقيت فيها وجدانياً؛ فقد علمتني تجربتي أن بعض المدن لا نزورها فحسب، بل تسكننا، ولا نودعها حين نغادرها، بل نحملها معنا حيثما ارتحلنا.

سلام على بغداد، مدينة الرشيد ومنارة المجد التليد، وحاضرة الأدب والفن والإبداع. وسلام على أهلها الذين جعلوا من الكرم لغة، ومن البشاشة تحية، ومن الترحيب بالضيف تعبيراً صادقاً عن أصالة لا تعرف التكلف ومودة لا تحتاج إلى برهان.

فيا بغداد، يا دار النهى والفن، ويا بيت القصيد، لك في القلب محبة زادتها المعايشة صدقاً، وفي الذاكرة صورة زادتها التجربة بهاءً، وفي الوجدان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى