علم الدين عمر: لجنة تهيئة الحوار.. فاقد الشيء لا يعطيه

حاجب الدهشة

في المشهد السوداني..ثمة مفارقة تاريخية تستحق أن نتوقف عندها.. كلمتي الإحتكار والإقصاء هما الأكثر حضوراً في الخطاب السياسي.. والأكثر تداولاً على ألسنة الفاعلين فيه.. حتى إنك تكاد لا تجد طرفاً إلا ويشكو من الاحتكار.. ولو كان يمارسه.. ولا جهة إلا وتستنكر الإقصاء.. وتفرضه على الآخرين.. وكأننا أمام مشهد يتفق فيه الجميع على رفض الاحتكار نظرياً.. بينما يتنافسون على ممارسته عملياً.. ويتبارون في إدانة الإقصاء.. لكنهم لا يترددون في إغلاق الأبواب أمام من لا يتفقون معهم..
هذه المفارقة تطل برأسها الآن.. وبصورة أكثر وضوحاً في الجدل الكثيف الذي يحيط بلجنة تهيئة الحوار السوداني.. وما يدور حولها وداخلها من أسئلة وتقاطعات واختلافات.. واختلالات.. فقد أصبح واضحاً أن أعضاء اللجنة ليسوا أصحاب مشروع واحد.. ولا يحملون فكرة مركزية متجانسة.. ولا يتحركون بالقدر نفسه من الإنسجام والتوافق.. بعضهم صوته عالٍ.. ربما أعلى مما ينبغي.. وبعضهم صوته خافت إلى درجة الغياب.. وبينهم من لا صوت له أصلاً.. فيما ظل رئيس اللجنة بعيداً عن المشهد..لا يكاد الناس يلتقونه أو يسمعون عنه.. ناهيك عن أن يسمعوا منه ما يوضح طبيعة المشروع وحدوده وأهدافه ومآلاته..
الأمر لا يتعلق بتفاصيل إجرائية أو اختلافات بين أعضاء اللجنة بقدر ما يتعلق بجوهر المهمة نفسها.. وبمدى قدرة هذه اللجنة على استيعاب تعقيدات المشهد السوداني.. وتقاطعاته السياسية والمجتمعية.. وتباينات الرؤى والمواقف بشأن الحوار ومطلوباته.. تهيئة المناخ لحوار سوداني جامع ليست مهمة يسيرة.. ولا يمكن اختزالها في مجموعة محدودة من الأشخاص مهما كانت خبراتهم أو علاقاتهم أو قدرتهم على الحركة والتواصل..
للأمانة.. اللجنة أحدثت حراكاً حول قضية الحوار.. وأعادت طرح سؤال التهيئة إلى دائرة النقاش العام.. وهذه نقطة لا ينبغي إنكارها أو التقليل منها..لكن الإعتراف بذلك لا يعني منحها حق احتكار المبادرة.. ولا تحويلها إلى بوابة وحيدة لا بد أن يعبر منها كل من يريد الإسهام في تهيئة ظروف الحوار السوداني..
طالما أن أصحاب اللجنة يقولون إنها مجرد مبادرة مجتمعية قبلتها الدولة.. وليست لجنة حكومية أو مؤسسة رسمية تحتكر التكليف والاختصاص.. فإن المنطق يقتضي أن تفتح الدولة الباب أمام مبادرات مجتمعية أخرى تقدم رؤاها وأفكارها ومقترحاتها لتهيئة ظروف الحوار.. فالمجتمع السوداني حافل بالأفكار.. وقادر على الإبتكار والمبادرة والمبادأة.. ولا تنقصه الكفاءات ولا التجارب ولا الشخصيات التي يمكن أن تضيف إلى هذا المسار شريطة أن تجد المساحة والفرصة وألا تصطدم ببوابة مغلقة أو وصاية غير معلنة..
المطلوب ببساطة أن توسع الدولة ماعون التهيئة قليلاً.. وأن تتعامل مع الحوار كقضية وطنية أكبر من أن تستوعبها لجنة واحدة.. أو تختزلها مجموعة بعينها.. أو تصبح ملكيتها المعنوية حكراً على من بادروا إليها أولاً.. الحوار الذي نريده لا ينبغي أن يبدأ بالإقصاء.. ولا أن تكون تهيئته مدخلاً جديداً لإعادة إنتاج الاحتكار السياسي الذي ظل أحد أسباب أزماتنا المتناسلة..
لماذا لا تعيد الدولة توزيع مهام التهيئة على نطاق أوسع.. وتفتح مسارات متعددة.. بدلاً من وضع كل البيض في سلة واحدة؟.. لماذا لا يتولى أعضاء مجلس السيادة مثلاً.. كل بحسب قدرته وعلاقاته وخبرته.. مساراً من مسارات التهيئة.. خصوصاً أن مساحة حركتهم الدستورية والتنفيذية تقلصت عقب تشكيل الحكومة؟.. يمكن أن تتوزع المسارات بين القوى السياسية.. والإدارات الأهلية.. والمكونات المجتمعية.. والشباب والمرأة.. والمثقفين والمفكرين.. والكيانات المهنية.. وسائر القوى التي تملك ما تضيفه إلى مشروع الحوار الوطني.. دون المرور
بلجنة عثمان ميرغني.. مشكورة.. التي يمكن أن تصبح واحدة من عشرات اللجان والمبادرات المساعدة.. متى استوفت الشروط المبدئية.. وقدمت ما لديها من أفكار ورؤى.. دون أن تكون صاحبة الحق الحصري في تحديد من يدخل ومن يخرج.. ومن يشارك ومن ينتظر خارج الأبواب..
القضية ليست لجنة قاسم بدري أو محمد جلال هاشم.. ولا الأشخاص الذين بادروا إليها.. ولا حتى الخلافات التي تدور حولها وفيها..القضية أكبر من ذلك.. إنها قضية وطن يبحث عن مخرج من أزمته.. ويحتاج إلى أوسع قاعدة ممكنة من المشاركة والتوافق.. وليس إعادة تدوير ذات الممارسات التي أوصلته إلى هذا المأزق..
أخطر ما يمكن أن يحدث أن نختلف حول الحوار.. ثم نختلف حول من يهيئ للحوار.. ثم نختلف حول من يملك حق دعوة الآخرين إليه..
لا تحتكروا التهيئة باسم الحوار.. ولا تمارسوا الإقصاء باسم رفض الإقصاء.. افتحوا الأبواب.. ووسعوا المواعين.. ودعوا المبادرات تتنافس بالأفكار.. وبالقدرة على الجمع وليس بامتلاك مفاتيح الدخول وميزانيات الدولة ودورها..
فالسودان أكبر من اللجان وأكبر من المبادرات.. وأكبر من أن يُختزل مستقبله في مجموعة أشخاص مهما حسنت نواياهم أو تعاظمت أدوارهم..
الغريب أن نبحث عن حوار يجمع السودانيين.. فنبدأ باحتكار الطريق إليه..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى