فاروق الدسوقي يكتب: سندس سنبل.. ضحكتها مبتهزرش

أغمضت سندس سنبل عينيها وهي تضحك، ورفعت يديها، واتسع وجهها حتى لم يعد فيه مكان لأي تعبير آخر، لم تحاول أن تضبط ملامحها لتبدو في هيئة بطلة عادت لتوها بإنجاز تاريخي، فقد كانت الفرحة أسبق من الصورة، وأصدق من أي تعبير يمكن أن تختاره أمام الكاميرا.
تأملت الصورة طويلًا، واستوقفني ذلك الفرح الذي لا يحاول صاحبه أن يبدو سعيدًا؛ فهو سعيد بالفعل. لا ابتسامة محسوبة، ولا وقفة رسمية، ولا محاولة لصناعة مشهد يليق بالميدالية. فقط فتاة تضحك من قلبها، حتى أغمضت عيناها من شدة الضحك.
سندس سنبل، لاعبة منتخب مصر للووشو كونغ فو، حصدت ذهبية منافسات الشانغ تشوان المجمعة للسيدات في دورة الألعاب الأولمبية للشباب «داكار 2026»، لتسجل اسمها في إنجاز تاريخي للرياضة المصرية.
خبر يستحق الاحتفاء، وذهبية تستحق الفرحة، لكن الصورة أخذتني إلى ما وراء النتيجة، إلى تلك اللحظة التي انتهت فيها المنافسة، ولم يعد مطلوبًا من سندس أن تثبت شيئًا لأحد.
في الووشو، لا تكفي القوة وحدها، فالحركة تحتاج إلى دقة، والانتقال من وضع إلى آخر يحتاج إلى توازن، والجسد مطالب بأن يستجيب لكل تفصيلة في توقيتها، إنها رياضة تجمع بين القوة والسيطرة، ولا تترك كثيرًا للمصادفة.
وخلال المنافسة، كانت ملامح سندس تعكس طبيعة اللعبة، نظرات قوية، وتركيز واضح، وحركات وجه تتسم بالجدية والحسم، كأنها امتداد لما تؤديه من حركات على بساط المنافسة، ثم جاءت صورة التتويج لتقدم لنا وجهًا مختلفًا تمامًا، العيون التي بدت حادة في الملعب أغمضتها الضحكة، والملامح التي حملت قوة المنافسة أفسحت مكانها لفرحة عفوية.
هنا تكمن المفارقة التي جعلتني أبتسم أمام الصورة، لاعبة اعتادت أن تضبط أدق حركاتها، جاءت لحظة الفوز فلم تضبط ضحكتها!
في الملعب، كانت كل حركة محسوبة، أما هنا، فقد تركت وجهها يقول ما لا تستطيع النتائج والأرقام نقله، فالميدالية تخبرنا أنها فازت، والنتيجة تؤكد تفوقها، لكن الضحكة تجعلنا نرى أثر الفوز عليها. هناك فرق بين أن نقرأ خبر انتصار، وأن نرى الفرحة وقد استولت على ملامح صاحبته.
لا أريد أن أختزل سندس في ضحكتها؛ فهي صاحبة إنجاز أكبر من صورة، ولا أريد أن أختزل الإنجاز في لقطة احتفال، لكن هذه الصورة تستحق أن تبقى إلى جوار خبر الميدالية، لأنها أضافت إليه شيئًا لا تسجله منصات التتويج، هو ملامح الإنسان في لحظة انتصاره.
ربما لا يعرف من يشاهد الصورة تفاصيل الشانغ تشوان، ولا كيف تُحتسب نقاط المنافسة، لكنه يستطيع أن يفهم شيئًا مهمًا من وجه سندس، يرى فتاة مصرية حققت إنجازًا كبيرًا، ثم منحت فرحتها مساحة كاملة، دون أن تنشغل بهيئة البطلات أو الصورة التي ينتظرها الناس منهن.
بعد سنوات، قد تعود سندس إلى هذه الصورة فتتذكر ذهبية داكار وتفاصيل يومها، لكنها ستجد أيضًا وجهًا آخر من الحكاية، وجه الفتاة التي لم تحاول أن تبدو بطلة في الصورة، لأنها كانت مشغولة بالفرح أكثر من أي شيء آخر.
وهذا ما يجعل الصورة تستحق أن نتوقف أمامها، لقد صنعت سندس إنجازًا سيبقى في تاريخ الرياضة المصرية، لكن ضحكتها حفظت لنا لحظة إنسانية لا تختصرها الميدالية ولا تسجلها النتيجة.
سندس سنبل صنعت تاريخًا في الملعب، أما ضحكتها فحفظت لنا شكل فرحتها في اللحظة التي صنعته فيها: «ضحكتها مبتهزرش».
نقلاً عن الوطن



