النيل الأزرق.. حكومة ولاية خانها التعبير

ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

بالبيان الأخير الصادر عن حكومة ولاية النيل الأزرق، نعتقد بأن حكومة الولاية قد خانها التعبير، ولم يكن الناطق الرسمي موفقاً في اختيار اللغة المناسبة التي سيخاطب بها مواطني الولاية؛ لأنه أراد طمأنة المواطن الذي يعيش ظروفاً بالغة التعقيد بسبب تصاعد العمليات العسكرية في الولاية، فانتهى البيان إلى كشف أزمة أعمق من أزمة المعلومات، وهي أزمة في هيكل الخطاب السياسي والإداري. وما جاء في البيان لا يواكب خطورة اللحظة، ولا يجيب عن الأسئلة الحقيقية التي يطرحها المواطنون.

في البيان، ليس المطلوب فقط من حكومة ولاية النيل الأزرق أن تعلن انتصاراً أو هزيمة، ولا أن تكشف أسرار العمليات العسكرية، وإنما أن تخاطب مواطنيها باعتبارهم أصحاب حق في المعرفة، لا مجرد جمهور مطلوب منه الهدوء وانتظار ما تقرره الجهات المختصة. فالحكومة تقول إنها لا تريد تجميل الواقع في بيانها، لكنها في ذات الوقت تستخدم خطاباً تطمينياً لا يقدم للمواطن ما يكفي من الحقائق التي يحتاج إليها لاتخاذ قراراته. فبمثلما أن للحكومة الحق في عدم نشر معلومات عسكرية قد تعرض القوات والمواطنين للخطر، فإن للمواطن الحق في معرفة حقيقة الأوضاع الأمنية والإنسانية ومستوى الخدمات التي تمس حياته ومصيره. فالحق الأول مقتضى من مقتضيات الأمن، ولا خلاف حول ذلك، وبالمقابل فإن الحق الثاني واجب من واجبات حكومة الولاية، ولا يجوز اتخاذ الأول ذريعة للتنصل من الثاني.

(*) بيان طمأنة يثير «القلق» …

ونحن هنا نقرأ في لغة البيان الممهور باسم الناطق الرسمي باسم حكومة الولاية، ونتوقف عند المفارقة في خطاب الحكومة التي تصدر بياناً لتطمئن المواطنين، ولكنها في ذات الوقت تفتتح خطابها بالإقرار بأن الأوضاع الميدانية تشهد تغيرات في مواقع الانتشار والسيطرة، وتستخدم عبارة «الحرب كر وفر» لتفسير هذه التطورات، وتقول إنها لا تريد تجميل الواقع، وفي ذات الوقت لا تقدم صورة محددة لهذا الواقع. كما أنها تؤكد أنها تتابع وترصد ما يحدث على الأرض دون أن تشرح ما الذي فعلته مؤسساتها لحماية المواطنين أو احتواء التداعيات الإنسانية. والمواطن في هذه الأثناء لا يبحث عن دروس في طبيعة الحروب، ولا يعنيه قراءة المشهد بعين عسكرية تفهم ذلك الاستخدام في سياقه، وإنما يريد أن يعرف ماذا يحدث في منطقته، والإجابة عن سؤال: إلى أي مدى هو في وضع آمن؟ لتصبح المشكلة ليست في أن الحكومة اعترفت بوجود تحديات تواجهها، بل في أنها لم تحول هذا الاعتراف إلى معلومات وإجراءات والتزامات قابلة للقياس.

من الإيجابي في بيان حكومة ولاية النيل الأزرق أنه خصص مساحة معتبرة للتحذير من الشائعات باعتبارها أحد أدوات العدو التي يستخدمها لضرب الجبهة الداخلية، وكذلك مطالبة الصحفيين والناشطين بعدم نشر المعلومات غير المؤكدة، لكن بالمقابل افتقر البيان إلى إجابات تتعلق بالمساحات المخصصة لإخبار المواطنين بجغرافيا المناطق التي تشهد مواجهات أو تهديدات أمنية فعلية. وما حقيقة الأوضاع في الكرمك وقيسان وباو وود الماحي؟ وهل توجد مناطق خرجت عن السيطرة أو أصبحت مهددة فعلياً؟ وما هي خطط الإجلاء والاستجابة للطوارئ حال حدوث تطورات ميدانية؟ وكيف ستتعامل الحكومة مع انقطاع الكهرباء والوقود والمياه والاتصالات؟ وما مراكز الإيواء والإمدادات الطبية والغذائية؟ وهنا ليس من الضروري الإجابة عن التفاصيل العسكرية الحساسة، ولكن من الضروري توفير المعلومات المدنية والإنسانية التي تحمي حياة الناس، ولا يجوز أن تتحول مكافحة الشائعات إلى مطالبة المواطن بالصمت، ولا أن تصبح عبارة «استقوا المعلومات من المصادر الرسمية» بديلاً عن تقديم المعلومات الرسمية أصلاً.

ولا نزال في جُبّ لغة بيان حكومة ولاية النيل الأزرق، لنكشف المسافة بين ما تقوله وبين ما نراه في الواقع، ونحن نحمل المعلومات الواردة في تقرير مختبر البحوث الإنسانية بجامعة «ييل»، الصادر في 5 نوفمبر 2026، أي قبل يوم واحد من تاريخ صدور بيان حكومة الولاية، الذي كشف عن زيادة تقارب 823 منشأة إيواء مؤقتة داخل أحد معسكرات النازحين في الدمازين خلال الفترة من 3 أكتوبر إلى 4 نوفمبر الجاري. ويعزز معلومات هذا البيان مصفوفة تتبع النزوح الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، والتي سجلت نزوح 119,782 شخصاً من مناطق مختلفة في الإقليم خلال الفترة من 11 يناير إلى 15 أكتوبر 2026، ووصل 45,815 منهم إلى مواقع في محلية الدمازين. وهذا الرقم بالغ الدلالة؛ لأنه ينقل النقاش من مجرد المخاوف الأمنية إلى حجم التداعيات الإنسانية التي تعيشها المدينة، ويفتح الباب أمام حقيقة تزايد أعداد النازحين ومواقع الإيواء في عاصمة الإقليم، وعدم امتلاك حكومة الولاية التقديرات المحدثة لأعداد الأسر التي وصلت إلى الدمازين، عاصمة الإقليم، وعدم وجود خطة لاستيعاب هذه الزيادة في الحاجة إلى الغذاء والمياه والصحة والتعليم، إضافة إلى الافتقار لتصور واضح لمواجهة احتمال اتساع موجة النزوح. فإذا كانت الحكومة تتابع وتراقب وتتحمل مسؤولياتها، فأين انعكاس هذه المتابعة على حياة مئات الآلاف من المتأثرين بالحرب؟

هذا لأن تقرير جامعة «ييل» عن الفترة من 29 أكتوبر إلى 4 نوفمبر كان قد وثّق أضراراً مرتبطة بالنزاع في منشآت عسكرية ومدنية داخل الدمازين، عاصمة الإقليم، كما أنه أشار إلى الهجمات التي طالت مناطق وتغير السيطرة عليها، وتحدث عن انفجارات نتيجة هجمات المسيّرات، وعن قطع الكهرباء بشكل احترازي، فضلاً عن طوابير طويلة أمام محطات الوقود. والدمازين ليست مجرد عاصمة إدارية للولاية، وإنما هي مركز الثقل السكاني والخدمي والاقتصادي والسياسي للإقليم، ووجود تهديدات عسكرية حولها ينعكس على حياة الإقليم بأكمله، وأمن المدن لا يُقاس فقط ببقاء العلم مرفوعاً فوق المؤسسات، بل بقدرة الدولة على حماية حياة من يسكنون تحت ذلك العلم.

ويجب على حكومة ولاية النيل الأزرق أن تفهم بأنه، وكما أن للقوات المسلحة دورها أوان الحرب، فإن للحكومة أدوارها، وليس مطلوباً منها في هذا التوقيت أن تتحول إلى قيادة عسكرية أو أن تتحمل مسؤولية العمليات القتالية، وإنما المطلوب هو أن تمارس اختصاصاتها في إدارة المجتمع والخدمات والحماية المدنية، وأن أداءها لا يُقاس بقدرتها على صياغة بيان جيد تذكر فيه الطمأنينة، وإنما بقدرتها على تحويل مؤسسات الولاية إلى شبكة حماية للمواطن عندما تنهار الظروف الطبيعية للحياة.

في لغة البيان الصادر من حكومة ولاية النيل الأزرق، لا يخفى على القارئ البعد الاجتماعي، وأن البيان تحدث عن التنوع الثقافي والقبلي، وحذر من إحياء مرارات الماضي والانقسامات. وهذا بالضرورة يقودنا إلى ما هو أعمق، بالسؤال عن كيف ستحافظ الحكومة على التعايش في الولاية المعروف عنها التنوع العرقي والثقافي، في ظل انتشار السلاح وتصاعد الاستقطاب الحاد على أسس الاختلاف؟ وما هي التدابير المتخذة لمنع تحويل الحرب العسكرية إلى صراع اجتماعي وقبلي كما ينذر المشهد الحالي؟ وكيف تحمي المجتمعات المحلية من خطاب الكراهية والاتهامات الجماعية؟ وهل توجد آليات حقيقية للوساطة الأهلية والمصالحة والحماية المجتمعية؟ لأن أخطر ما يمكن أن تخسره ولاية النيل الأزرق ليس موقعاً عسكرياً فحسب، وإنما قدرتها التاريخية على إدارة التنوع والتعايش، فالأرض التي تتسع لقبائل وثقافات متعددة لا تحتمل أن تتحول الحرب فيها إلى حرب داخل المجتمع نفسه.

بينما تتحدث التقارير عن تقدم الجيش في بعض محاور كردفان واستعادة مناطق مثل أم عردة وجبل الهشابة وأم درساية، تتواصل التطورات العسكرية والإنسانية في النيل الأزرق، لكن لا ينبغي الوضع في الاعتبار أن استعادة الأرض عسكرياً قد تعني تلقائياً استعادة الدولة لوظائفها بالكامل، وأن التقدم العسكري لا يعفي الحكومات الولائية من مسؤولياتها المدنية، إذ لا قيمة سياسية مستدامة لأي انتصار إذا لم يشعر المواطن بعده بالأمن والكرامة وتوافر الخدمات، ولا يجوز اختزال مفهوم الدولة في حركة القوات أو تبدل خرائط السيطرة… الدولة لا تنتصر فقط عندما تستعيد الأرض، بل يتمثل انتصارها الحقيقي عندما تستعيد قدرتها على حماية الإنسان وإدارة حياته.

أراد كاتب البيان في حكومة النيل الأزرق الاستناد إلى اللغة لإيصال رسائل محددة لمواطن الولاية، فاتكأ على القول: «لا نريد تجميل الواقع»، وذلك على سبيل الصراحة والشفافية، دون أن يأتي على ذكر الحقائق التفصيلية التي تثبت اتجاهه للمصارحة.

ثم عاد وقال: «لن يكون الصمت بديلاً عن الحقيقة»، بينما لم يجتهد في أن تتحول هذه العبارة إلى التزام دوري بنشر المعلومات، ثم أردف القول: «لن نترك المواطن وحيداً»، دون بيان كيف يمكن ترجمة هذا الوعد إلى إجراءات ملموسة في الإيواء والإغاثة والصحة والخدمات؟

البيان في جوهره يحمل اعترافاً مهماً بأن المواطن تغطيه حالة من القلق، وأن الحكومة تدرك حجم المخاوف التي يعيشها، لكنه بالمقابل يضع مسؤولية كبيرة على المواطن في ضبط تداول المعلومات والتعامل مع الإشاعات، دون أن يقدم بالقدر نفسه خريطة واضحة لما تقوم به الحكومة. ففي أوقات الحرب، لا تمد الحكومات مواطنيها بالقرارات وحدها وتكتفي، وإنما قد تربكهم أيضاً بالكلمات التي لا تعبر عن واقعهم ولا تجيب عن أسئلتهم.

على ما يبدو أن حكومة إقليم النيل الأزرق أرادت أن تطمئن مواطنيها، فخانها التعبير، أو فلنقل تحديداً خانها تقدير اللحظة التي اختارت فيها مخاطبة المواطن ببيان طويل عن مخاطر الشائعات، وقصير جداً في الإجابة عن الأسئلة التي تفرضها الوقائع على الأرض. فالمواطن الذي يسمع دوي المسيّرات، ويرى تدفق النازحين بالشاكلة التي أشارت إليها التقارير، ويقف في طوابير الوقود، لا يحتاج إلى من يشرح له أن الحرب كر وفر، ولا إلى محاضرة عن خطورة تداول الأخبار غير المؤكدة، بقدر ما يحتاج إلى حكومة تقول له ماذا يحدث، وماذا تفعل، وكيف ستوفر له الحد الأدنى من الأمان والحياة.

نعم، ليس من العدل مطالبة حكومة ولاية بأن توقف حرباً لا تملك قرارها العسكري، لكن من حق مواطنيها أن يسألوها عن حدود مسؤوليتها، وعن خططها لحماية ما تبقى من مقومات الحياة، وعن معنى أن تكون هناك حكومة إذا كان المواطن مطالباً في كل مرة بأن يطمئن نفسه بنفسه.

الحرب لا تمنح صك إعفاءٍ للحكومات من مسؤولياتها، ولا تفويضاً مفتوحاً لها لاختزال دورها في إصدار البيانات.

وحين تصبح الكلمات أكبر من الأفعال، وتسبق الطمأنينة الحقيقة، ويتحول المواطن إلى متهم بالشائعة لمجرد أنه يسأل عما يحدث حوله، فإن الأزمة لا تعود أزمة تعبير فقط، بل أزمة حكم ومسؤولية.

لقد خان حكومة النيل الأزرق التعبير، لكن الأخطر أن يخونها الواقع، وأن يكتشف المواطن في نهاية المطاف أنه كان وحده في مواجهة حرب لا ترحم، وحكومة لا تملك له سوى بيان آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى